|
السجل
المدني
م. محمود عنبر: ( كلنا شركاء ) 22/3/2008
السادة كلنا شركاء:
قرأت ماورد في نشرتكم نقلاً عن صحيفة النور حول احتمال تسريح 1794 عاملاً عملوا
في مشروع تمت تسميته " مشروع أتمتة السجل المدني " ورغم أن الظاهر هو مشكلة
اجتماعية ستحصل نتيجة تسريح هذا العدد الكبير نسبياً من العاملين ( المؤهلين
تشغيلياً) ، والذين يمكن تصنيفهم كمستثمرين جيدين لبعض كتل النظام المعلوماتي
الخاص بإدارة الشؤون المدنية، إلا أن هذه المشكلة التي طفت على السطح هي مؤشر
لمشكلات أكثر عمقاً في طرق التعامل الحكومي مع مشاريع تطوير الإدارة الحكومية (
بشكل عام)، و تطوير إدارة السجل المدني ( بشكل خاص)، وسنعالج فيما يلي كل من
هاتين النقطتين:
أعمال الإدارة الحكومية في
إدارة السجل المدني وباقي إدارات وزارة الداخلية:
* رغم الصفة الماراتونية للمشروع الذي تمت تسميته ب" أتمتة السجل المدني"، إلا
أن الحقيقة أن هذا المشروع قد تطلب وقتاً طويلاً لترميم بيانات السجل المدني،
قبل رقمنتها ( وهو المصطلح المستخدم لتحويل المعلومة من شكلها الورقي لشكلها
الرقمي)، وقد سبب هذا العمل المضني تأخيرات كبيرة ( ولكنها موضوعية) لهذا
المشروع، وقد امتاز هذا المشروع ( عن المشروعات الحكومية الأخرى) بوجود لجان
توجيهية قادرة على فهم الصعوبات الموضوعية التي واجهها المشروع، وبالتالي إبعاد
المشروع عن الكمائن والعقبات الإدارية والمالية التي تطيح ( عادة) بالمشاريع
الحكومية، وقدمت ( في حينه) مظلة إدارية ومالية وحقوقية تفتقدها معظم المشاريع
المعلوماتية الحكومية الأخرى.
* رغم الاعتمادات الكبيرة التي تم وضعها لصالح المشروع، إلا أن حصة العمل
الفكري في هذا المشروع كانت منخفضة ( نسبياً)، وأذكر أنني بتاريخه لم أرتح
لانخفاض المبلغ المخصص لتقديم الصيانة والدعم الفني للمشروع واعتبرته منخفضاً
نسبياً ( مقارنة مع حجم المشروع وتوزعه الجغرافي وحداثة التقانات التي يستخدمها
وحراجة المشروع الاستثمارية وللخصوصية الناجمة عن المقاطعة الأمريكية)، رغم أن
مجرد وجود اعتمادات مخصصة للصيانة والدعم الفني في هذا المشروع يعتبر (خرقاً)
مقارنة بالمشاريع الحكومية التي تطالب دوماً بتنفيذ هذه الأعمال ( مجاناً!!!).
* مشروع "أتمتة السجل المدني" مختلف عن " اتمتة إدارة السجل المدني"، والأخيرة
هي عمل مستمر يجب أن يتم عبر مجموعة من المشاريع المتكاملة فيما بينها، والتي
يجب أن تكون ( تخطيطاً ) مسؤولية الإدارة المعلوماتية ( في إدارة السجل المدني)،
وتنفيذاَ ( من قبل شركات مختلفة من القطاع الخاص).
* ماتم إنجازه حتى الآن في مجال ( أتمتة إدارة السجل المدني)، لا يشكل سوى جزءاً
يسيراً مما يمكن إنجازه في الإدارة ، وبالتالي فإن " تسريح العاملين" المدربين
في هذا التوقيت لا يمكن تبريره إلا بعدم القدرة على إطلاق مشاريع جديدة ، خاصة
وأن المشاريع الحالية ( التي أصبحت أنظمة) تحتاج لمشغلين أيضاً.
* لقد صدر مؤخراً مرسوم جمهوري يعتبر السجلات المدنية ( الالكترونية) معتمدة (
وهو أول سجل الكتروني حكومي معتمد رسمياً في سورية)، ورغم أننا في حينه أملنا
في أن يشمل التشريع كافة علميات تطوير سجلات الكترونية حكومية، وليس السجل
المدني فقط، إلا انه ( رغم ذلك) لم يتعامل المعنيون للأسف مع هذا الامتياز بما
يتطلبه، ولم يتم حتى الآن الارتقاء إلى مستوى هذه المسؤولية، وبالتالي البناء
على اعتبار السجلات الالكترونية معتمدة، وذلك باتجاه تمكين إدارة السجل المدني
من تقديم خدمات حكومية الكترونياً ( بشكل كامل)، مع ما يتطلبه ذلك من إطلاق
لمجموعة من المشاريع التي يجب أن ترتكز لخطة عامة Master Plan واضحة، وما
يتطلبه ذلك من تطوير لآليات العمل الإداري في إدارة السجل المدني، وكل ذلك لم
يحصل ( للأسف) ، بل ماحصل هو إجراءات تقليدية لإغلاق مشروع ، وكأن شيئاً لم
يحدث، بينما يفترض أن يحدث المرسوم المذكور ( ثورة في طريقة عمل إدارة السجل
المدني)، بعد أن أصبحت نتائج مشروع " أتمتة السجل المدني" ، والتي هي السجلات
المدنية الالكترونية للمواطنين معتمدة، ولتوضيح هذه النقطة يكفي أن نبين أنه في
حال تم اكتشاف أي تباين بين السجلين الالكتروني والورقي فهذا يعرض البعض
للمسؤولية القانونية، وهذا يعني أن تطوير الإجراءات لتشمل الشق الالكتروني من
العمل أصبح ملزماً ( وبقوة القانون)، وبالتالي كنا نتمنى لو تم تطوير ووضع
الإجراءات الجديدة قيد العمل قبل اتخاذ قرار تسريح العاملين، لنرى فعلاً هل
يمكن الاستغناء عن هؤلاء العاملين بعد وضع الإجراءات الجديدة موضع التطبيق (
أشك في ذلك) .
من وجهة نظر شخصية أعتقد أن هؤلاء العاملين المدربين يمكن أن يكونوا أيضاً نواة
لمشروع آخر ( يبنى على نجاح المشروع الحالي)، و يتعلق بأتمتة الدورة المستندية،
وحينها فهذا العدد (1794 عاملاً) يكاد يكون مهملاً مع حجم المشغلين المطلوب
لهذا المشروع الضخم!!
* طبعاً كل ذلك إن أهملنا حجم العمل الإضافي الذي سببه ويسببه موضوع منح قسائم
الوقود المدعوم ( من قبل الإدارة نفسها) ، ورغم أنني لا أرى أن موضوع القسائم
سيحل مشكلة الدعم بشكل فعال، ولكن هذا لا يمنع من أنه هناك جهد إضافي ( وجهد
كبير) ستقوم به الإدارة، وكل هذا سينعكس على مستوى خدمة المواطن، وسيحتاج
لكوادر إضافية ( لقد قرأنا قبل بضعة أيام تذمر الموظفين ً من الضغط الذي سيسببه
هذا العمل على الموظفين!!).
كان هذا فيما يتعلق بإدارة السجل المدني، أما إن انتقلنا للدائرة الأوسع، وهي
المشاريع المعلوماتية في وزارة الداخلية، فأعتقد أن حجم المشاريع التي يمكن أن
تنفذها وزارة الداخلية ضخم جداً، وربما يشغل كافة شركات المعلوماتية في سورية (
ولعدة سنوات)، ويستقطب العديد من الخريجين الذين يغادرون القطر الآن للعمل في
الخارج، واذكر أنني قبل عدة سنوات قد اطلعت على دراسة متعلقة بالمشاريع
المحتملة، وكان المفترض أن تتبلور هذه المشاريع خلال سنتين، ولكن ( وبعد أربعة
سنوات من الاجتماع الذي ناقش هذا الموضوع ) لم يحصل أي شيء تقريباً !!!، وهذا
يعني أن الاهتمام بالمعلوماتية في الوزارة قد تراجع عن ما كان عليه سابقاً.
مشكلة مشاريع تطوير الإدارة
الحكومية في سورية:
لقد ابتدأت المشكلة في هذه المشاريع بمحاولة الفصل التي حصلت بين عدة سنوات في
سورية بين محوري تطوير العمل الإداري الحكومي وبين مشاريع الأتمتة الحكومية،
بينما يعتبر تلازم هذين المسارين من بديهيات العمل في تطوير الإدارة الحكومية،
ولهذا أصبحت المشاريع المعلوماتية هي أمر هامشي لا يحظى بأي تمويل وأي رعاية،
بينما أصبح تطوير العمل الإداري مادة إعلامية فقط، وما لم تتم معالجه هذه
النقطة فلن تتطور الإدارة الحكومية.
إن المشكلة التي يعاني منها مشروع السجل المدني الآن هي المشكلة نفسها التي
تعاني منها المشاريع الأخرى، فعدم قدرة الجهات المعنية على تحديد الفرق بين
المشروع ( الذي له أهداف محددة واعتمادات مالية محددة وزمن تنفيذ محدد ) ، وبين
أعمال ومهام الإدارة المعلوماتية ( أو إدارة نظم المعلومات في بعض الحالات)
تؤدي إلى محاولة تحميل الجهات المنفذة للمشروع ( بموارده المحدودة) الأعمال
والمهام الخاصة ( بالإدارة المعلوماتية)، وأعتقد أن هذا هو السبب الرئيس لكون
معظم المشاريع المعلوماتية لا يتم إغلاقها، فالمعادلة هنا مستحيلة، وتنم عن خلل
استراتيجي أدى ويؤدي إلى عرقلة التطوير الإداري للمؤسسات الحكومية، وأعتقد أن
هذه المشكلة ليست خاصة بنا فقد حدثت في دول متعددة، وأدت لإحداث منصب مدير
للمعلوماتية IT Manager ، في المرحلة الأولى، وتحقيق الفصل بين منصب مدير
المشروع المعلوماتي ومدير الإدارة المعلوماتية، وذلك كون مدير المعلوماتية
سيحاول عبر موقعه كمدير مشروع تغطية نقاط الضعف في مديريته على حساب المشروع (
في معظم الحالات لدينا مدير الإدارة المعلوماتية هو مدير مشروع ( أو مشاريع) إن
صحت التسمية)، وفي مرحلة لاحقة تم استحداث منصب مدير لنظم المعلومات Chief
Information Officer CIO ، والهدف منه إيجاد تمثيل ( وصوت ) في مجلس الإدارة
لنظم المعلومات ، وبالتالي تضمن المؤسسة أن إستراتيجية نظم المعلومات الخاصة
بها IS Strategy والإستراتيجية المعلوماتية IT Strategy منسجمة مع إستراتيجية
أعمالها .
بالعودة للواقع المحلي، فإننا نجد أن مؤسساتنا مازالت تعاني من أن نسبة كبيرة
من مدراء المعلوماتية يلعبون دور مدير مشروع أيضاً، وفي بعض الأحيان يلعبون
دوراً فنياً كمدير نظام أيضاً ، بينما يغيب عن معظمهم القدرة على ربط المشاريع
والنشاطات المعلوماتية مع توجهات المؤسسة المعنية، وذلك إما لكونهم غير ممثلين
في مجلس الإدارة أو لأنهم غير قادرين على العمل في هذه المنطقة ( لمحدودية في
الخبرات)، وقد كان مشروع "أتمتة السجل المدني " استثناءاً كونه تمتع بلجنة
توجيهية تمكنت من ردم هذه الفجوة، وإنني أخشى أن هذه الفجوة قد عادت للتواجد
مؤخراً، ومانراه من تسريح للعاملين هو مجرد قمة الجبل التي ظهرت، وأخشى من عدم
معالجة المشكلات الحقيقية بالسرعة الممكنة.
ومن ناحية أخرى، فلابد من إعادة النظر في العبارة الروتينية التي يتم وضعها في
دفاتر الشروط للمشاريع المعلوماتية، والتي تطالب بتقديم الدعم الفني المجاني
لسنة واحدة ( أحياناً سنتين)، فالدعم الفني هو جزء من أعمال المشروع ، ويجب أن
لا يتم طلبه مجاناً ( اعتباره مجاناً قد تم سابقاً لأسباب ضريبية أعتقد أنها
زالت الآن)، وبالتالي يجب أن يتم طلب الدعم الفني لفترة تماثل فترة زمن دورة
حياة المشروع ( خمسة سنوات على الغالب مع مرحلة التشغيل والصيانة)، كما يجب
التوضيح أن الدعم الفني للأنظمة الحرجة يقدم على الغالب من قبل كوادر ( عالية
الخبرة ونادرة )، وهذه الكوادر بدأت بالهجرة إلى المصارف الخاصة والشركات
الخاصة التي تم إحداثها ( والتي تعلم أهمية التشغيل والدعم الفني ) ، ولهذا فإن
استمرار اعتبار هذا العمل ( مجاني) لا يساهم إلا في استمرار هجرة هذه الكوادر
من الشركات المعلوماتية، وفي تردي مستمر لأداء الأنظمة المعلوماتية الحكومية.
وختاماً
أرجو ان يكون هناك وسيلة لتطوير طريقة التعامل مع المشاريع المعلوماتية
فاستخدام عبارات مثل
" خصصت اعتماداً مالياً لرواتب هؤلاء العاملين ينتهي مفعوله في نهاية العام
الحالي"
وعبارات مثل " أفتت رئاسة مجلس الوزراء بعدم قانونية توزيع هؤلاء على وزارات
الدولة ومؤسساتها"
لا يتناسب مع أهمية الموضوع المطروح، وربما في هذا السياق يجب أن نجيب السادة
في صحيفة النور بأن ما يرتكز إليه مقالهم المذكور حول " تحديث الإدارة "، هو
أمر غير موجود ( حتى الآن على الأقل)، كونه لا يوجد اعتمادات حكومية لمشاريع
متعلقة بتحديث الإدارة الحكومية ، وبالتالي لم يكن منطقياً أن يستغرب كاتب
المقال عدم الحاجة لكوادر تعتبر بمثابة " مشغل خبير" لأنظمة معلوماتية،
فالاعتمادات التي ترصد سنوياً لصيانة وتشغيل الأنظمة المعلوماتية في المؤسسات
المختلفة ( هي صفر)، ( طبعاً إن استثنينا صيانة التجهيزات)، وهنا يكمن الخلل في
حالة الكوادر المذكورة، والحل دوماً هو بمحاولة الإدارات المعلوماتية تحميل هذا
الجزء من العمل على المشاريع الموجودة مما يؤدي لتوقف هذه المشاريع ، والحل
يبدأ من وجود مدراء للمعلوماتية قادرين على قراءة استراتيجيات المؤسسات وصياغة
استراتيجيات نظم معلومات واستراتيجيات معلوماتية مرتكزة لها ، ووجود صوت لنظم
المعلومات في مجالس الإدارات التي ( في الوقت الحالي) تناقش المشاريع
المعلوماتية كما تناقش مشاريع تنظيف المباني ليس أكثر ( على الأقل عقود تنظيف
المباني لها اعتمادات سنوية ( رغم أنها ليست تجهيزات) بينما تشغيل وصيانة
الأنظمة المعلوماتية هو بند غير موجود)! ، بل أكثر من ذلك ، إن طالبت إحدى
الجهات المنفذة لمشروع معلوماتي بالحصول على تعويض لقاء القيام بأعمال التشغيل
والصيانة يتم اعتبار أن هذه الجهة قد حاولت الاحتيال وتوريط الجهة المعنية
بنظام معلوماتي بهدف الحصول على دخل مستمر ( نتيجة لأعمال التشغيل والصيانة)،
والفرق في الحالة المذكورة ( السجل المدني) هو أن هؤلاء الأشخاص لا يتبعون لجهة
خاصة يمكن اتهامها ( بالاحتيال)، إلا أن هذا لا يمنع من أن المشكلة هي في أن
الجهات الحكومية تريد أن ترى أنظمتها المعلوماتية يجب أن يتم تشغيلها ( مجانا)!!،
والآن يمكننا إضافة ( وبدون كوادر)!.
|