|
تعقيب على رد المحامي فاروق الرباط
حول قانون حماية المستهلك
م. محمود عنبر : ( كلنا شركاء ) 13/7/2008
السادة كلنا شركاء
قرأت تعقيب الأستاذ المحامي فــاروق الربـاط على مقالتي
المتعلقة بقانون حماية المستهلك، والذي نشر بتاريح
11- 7 في نشرتكم .
أود في البداية أن أشكر الكاتب على تعقيبه، وتبادل الأفكار
بشكل عام هو أمر إيجابي، وذلك رغم أن معظم النقاط التي تطرق لها الكاتب لا تجب
على النقاط التي طرحتها في مقالتي المذكورة ( التعليمات التنفيذية وفن إجهاض
القوانين )، وذلك وفقاً لما يلي:
- ذكر الكاتب ان قانون حماية المستهلك هو أمر ضروري
(فكلما كان المستهلك مطمئناً في استهلاكه على صحته وسلامته وأمواله ، كلما
ازدادت نسب النمو بشكل ملحوظ ، ولهذا فإن الدول المذكورة تبذل كل جهودها في سبيل
تحقيق هذه الغايات .) ، وهنا أعتقد أننا نتفق، إذ لا أذكر أنني قد تطرقت في
مقالتي إلى عدم أهمية حماية المستهلك سواء من حيث المبدأ أو من حيث ضرورة وجود
قانون يحمي المستهلك، ولهذا كنت أتمنى عدم إيراد هذه الفكرة في التعقيب على
المقالة، وكان يمكن للكاتب توضيح مزايا حماية المستهلك في مقال مستقل.
- ينتقل الكاتب بعد إقناعنا بأهمية القانون ( وهو أمر لم يكن بحاجة لنقاش من
وجهة نظرنا) إلى الاستنتاج التالي:
(فإن قانون حماية المستهلك السوري رقم (2) الصادر بتاريخ 10/3/2008 ، النافذ
بتاريخ 11/6/2008 ، إنما هو قانون فرضته الضرورة ، ذلك لأن المستهلك عندنا لم
يكن لديه أية حقوق قبل صدور القانون إلا بشكل ضيق جداً ، أما بعد ذلك ، فقد أصبح
المستهلك طرفاً هاماً وعنصراً محركاً في القانون له حقوق تصان بها مصالحه)
وهنا بالتأكيد نختلف مع استنتاج الكاتب، ونعتقد أنه قد تسرع في استنتاجه،
فالمستهلك لم يصبح طرفاً هاماً وعنصراً محركاً بعد، فلو كان أي قانون سيحقق
الهدف الذي وضع لأجله بمجرد إصداره، ربما لكانت سورية الآن واحدة من الدول
المتقدمة، وذلك كونها ربما حققت في السنوات الماضية أعلى معدلات في إصدار
القوانين الجديدة.
- بعد ذلك بين الكاتب موقفه من التعليمات التنفيذية لقانون حماية المستهلك وفقا
لما يلي:
(أما فيما يتعلق بالتعليمات التنفيذية لقانون حماية المستهلك السوري ، فهي ناتجة
– أصلاً- عن القانون ذاته ، وهي قابلة للتعديل مستقبلاً بما ينسجم مع نصوص
القانون أو نتيجة لوجود ثغرات فيها بعد التطبيق ، أو ظهور ممارسات خاطئة ،
وبالتالي ، فإن مقولة أن التعليمات التنفيذية بدأت بتنفيذ القانون من بند
العقوبات، هو قول مبالغ فيه بعض الشيء ، إذ أن التعليمات التنفيذية لا توضع من
فراغ ،.)
وتشكل هذه الفكرة نقطة اختلاف بيني وبين الكاتب، فالتعليمات التنفيذية هي برنامج
عمل لتحقيق أهداف القانون، وليست مجرد إجراءات عقابية لمخالفي القانون، ورغم
علمنا بأن الخلفية القانونية للكاتب ربما تجعله يركز على كيفية رفع الدعوى
للحصول على حقوق المستهلك ( الذي تم خرق حقوقه)، إلا أننا نعتبر أن ما اعتبره
الكاتب امتيازاً للمستهلك برفع الدعوى على الجهة المخالفة هو آخر العلاج (
الكي)، فقانون حماية المستهلك لايهدف لإمطار الجهاز
القضائي بدعاوى قانونية للجهات التي لا تلتزم بالقانون بل يهدف لدفع الجهات
للالتزام بالقانون، وبالتالي ، وهنا أتحدث كمستهلك، أرى أن ما يعتبره الكاتب
امتيازات في عبارته التالية ليس سوى أعباء لن يلجأ لها المواطن إلا في حالات
خاصة جداً، ولنا كدليل في ذلك الحالات الكثيرة التي يتنازل فيها المواطن عن
تحريك دعاوى قضائية ضد جهات متعددة ، وذلك حرصاً على عدم الدخول في دوامة
القضايا، ومن المعلوم السنوات الطويلة والمراجعات العديدة التي يحتاجها هذا
الموضوع.
(بل يمكنه إقامة الدعوى على مسبب الضرر بشكل مستقل ليطالب بالتعويض ، أويطالب بسحب المواد المخالفة أو المغشوشة ، كما يمكن
لجمعية حماية المستهلك الانضمام إليه في دعواه لمساعدته في هذا المضمار ، ولها
أن تدعي بشكل مستقل كجمعية تمثل المستهلكين ، ضمن الإطار المحلي لاختصاصها)
- يجانب الكاتب الحقيقة ( والواقع) حين يعتقد بعدم وجود ترابط بين قانوني
التجارة وحماية المستهلك، ولتوضيح العلاقة بينهما أود الاستفسار عن الجهة
المخالفة ( الواردة في قانون حماية المستهلك)، فيما لو وجدنا أن مادة ما مخالفة
للمواصفات أو غير صالحة للاستهلاك ؟ هل هو البائع الذي قام ببيع المادة؟ أم صاحب
المحل ( أو أصحاب المحل في حال وجود شركاء؟، أم المدير
العام في شركات الأموال أم أحد موظفيه؟ أم الجهة الوسيطة التي قامت ببيع المادة
للبائع النهائي؟ أم الجهة الناقلة التي لم تلتزم بشروط النقل ؟ أم الجهة المنتجة
التي وضعت المواصفات على المنتج؟ أم الجهة الموردة للمادة الأولية للمنتج؟ أم
الجهة التي قامت بتنظيم آخر عملية صيانة للخط الإنتاجي؟ أم عامل الوردية التي
شاركت في الإنتاج؟ أم أم .. إلى غير ذلك من النقاط
التي لا يمكن متابعتها دون وجود قانون تجارة فاعل، بل يتجاوز قانون التجارة إلى
وضع الأسس الناظمة للمهن المختلفة، وطالما غابت هذه القضايا الناظمة، ( والنظم
الإدارية المرتبطة بها والتي تسمح بتحديد المسؤولية)
، سيتم تحميل كافة المخالفات للبائع النهائي رغم أنه في معظم الحالات لا حول له
ولا قوة، وبالتالي فالمستهلك لن يستفيد شيئاً، فالعالم اليوم يعيش في سلاسل
تزويد وفي حال وجود خلل ما، لابد من إمكانية تحديد الحلقة التي ارتكبت الخطأ،
بينما الحال لدينا أننا نبدأ بتجريم الحلقة الأخيرة ( أو أحد العاملين في الحلقة
الأخيرة)، وعليه هو أن يثبت العكس رغم أنه لا يوجد قوانين أو أنظمة تسمح له حتى
بالدفاع عن نفسه في هذا المجال، فمن المعلوم أن الحلقات الأولى في الاستيراد
والإنتاج مسكوت عنها ولا يوجد قوانين تجبرها على
الظهور إلى العلن حتى الآن.
- نقطة أخرى أثارها الكاتب، وتتعلق بعدم إحالة " المخالف المفترض" إلى
السجن إن تقدم بطلب تسوية خلال المدة القانونية، ورغم أنني غير ملم بالقضايا
القانونية، إلا أنني أعتقد أن هذا المنطق مماثل لمنطق قانون السير الذي يعتقد أن
عدم التسديد خلال المدة القانونية يعرض لغرامة مضاعفة أو للسجن، وهنا ربما يجب
أن نبدي استغرابنا من هذا المنطق، فمن يعتقد أنه مظلوم يجب أن يلجأ للقضاء (
وهذا حق كفله الدستور)، ولا يجب أن يعاقب على هذا الخيار من قبل السلطة
الإدارية، أما ما ذكره الكاتب من أن ( المخالفات الكبيرة التي تعرض حياة وصحة
وسلامة المستهلك للخطر ، فإنها بشكل طبيعي لا تخضع لأي تسوية ) ، فهي تدل على
حجم المشكلة، فالآليات الحالية لا تسمح بتحديد المسؤول
عن المخالفة الكبيرة، وهنا مكمن الخطر
وختاماً ربما من المفيد التوضيح أن ملاحظاتي المتعلقة بجمعية حماية المستهلك لم
تكن بسبب تشجيعها للقانون ( وتعليماته التنفيذية)، بل بسبب موقعها الذي اختارته
أقرب للجهة الحكومية، وبالتالي بدلاً من أن تحاول البحث عن طرق لتحفيز ودعم
المنتجين والتجار والصناعيين على ثقافة حماية المستهلك، واتخاذ مبادرات في هذا
الاتجاه، والضغط على الجهات الحكومية لتصحيح إجراءاتها الإدارية في هذا الاتجاه
تضع نفسها طرفاً ( في طرف المستهلك نظرياً)، ولكنها في الواقع سكتت عن كل
الثغرات التي تحيط بالإجراءات التجارية والصناعية والتوظيفية
والتي تجعل قانون حماية المستهلك قابلاً للتطبيق، وتبنت موقع تحريك الدعاوى
القانونية بدلاً عن المستهلك، دون أن تعالج الآليات التي تسمح بحماية فعالة
للمستهلك قبل الوصول إلى مرحلة تحريك الدعاوى القانونية.
|