تعقيب على رد المحامي فاروق الرباط حول قانون حماية المستهلك
م
. محمود عنبر : ( كلنا شركاء ) 13/7/2008
السادة كلنا شركاء
قرأت تعقيب الأستاذ المحامي فــاروق الربـاط على مقالتي المتعلقة بقانون حماية المستهلك، والذي نشر بتاريح 11- 7 في نشرتكم .
أود في البداية أن أشكر الكاتب على تعقيبه، وتبادل الأفكار بشكل عام هو أمر إيجابي، وذلك رغم أن معظم النقاط التي تطرق لها الكاتب لا تجب على النقاط التي طرحتها في مقالتي المذكورة ( التعليمات التنفيذية وفن إجهاض القوانين )، وذلك وفقاً لما يلي:
- ذكر الكاتب ان قانون حماية المستهلك هو أمر ضروري (فكلما كان المستهلك مطمئناً في استهلاكه على صحته وسلامته وأمواله ، كلما ازدادت نسب النمو بشكل ملحوظ ، ولهذا فإن الدول المذكورة تبذل كل جهودها في سبيل تحقيق هذه الغايات .) ، وهنا أعتقد أننا نتفق، إذ لا أذكر أنني قد تطرقت في مقالتي إلى عدم أهمية حماية المستهلك سواء من حيث المبدأ أو من حيث ضرورة وجود قانون يحمي المستهلك، ولهذا كنت أتمنى عدم إيراد هذه الفكرة في التعقيب على المقالة، وكان يمكن للكاتب توضيح مزايا حماية المستهلك في مقال مستقل.
- ينتقل الكاتب بعد إقناعنا بأهمية القانون ( وهو أمر لم يكن بحاجة لنقاش من وجهة نظرنا) إلى الاستنتاج التالي:
(فإن قانون حماية المستهلك السوري رقم (2) الصادر بتاريخ 10/3/2008 ، النافذ بتاريخ 11/6/2008 ، إنما هو قانون فرضته الضرورة ، ذلك لأن المستهلك عندنا لم يكن لديه أية حقوق قبل صدور القانون إلا بشكل ضيق جداً ، أما بعد ذلك ، فقد أصبح المستهلك طرفاً هاماً وعنصراً محركاً في القانون له حقوق تصان بها مصالحه)
وهنا بالتأكيد نختلف مع استنتاج الكاتب، ونعتقد أنه قد تسرع في استنتاجه، فالمستهلك لم يصبح طرفاً هاماً وعنصراً محركاً بعد، فلو كان أي قانون سيحقق الهدف الذي وضع لأجله بمجرد إصداره، ربما لكانت سورية الآن واحدة من الدول المتقدمة، وذلك كونها ربما حققت في السنوات الماضية أعلى معدلات في إصدار القوانين الجديدة.
- بعد ذلك بين الكاتب موقفه من التعليمات التنفيذية لقانون حماية المستهلك وفقا لما يلي:
(أما فيما يتعلق بالتعليمات التنفيذية لقانون حماية المستهلك السوري ، فهي ناتجة – أصلاً- عن القانون ذاته ، وهي قابلة للتعديل مستقبلاً بما ينسجم مع نصوص القانون أو نتيجة لوجود ثغرات فيها بعد التطبيق ، أو ظهور ممارسات خاطئة ، وبالتالي ، فإن مقولة أن التعليمات التنفيذية بدأت بتنفيذ القانون من بند العقوبات، هو قول مبالغ فيه بعض الشيء ، إذ أن التعليمات التنفيذية لا توضع من فراغ ،.)
وتشكل هذه الفكرة نقطة اختلاف بيني وبين الكاتب، فالتعليمات التنفيذية هي برنامج عمل لتحقيق أهداف القانون، وليست مجرد إجراءات عقابية لمخالفي القانون، ورغم علمنا بأن الخلفية القانونية للكاتب ربما تجعله يركز على كيفية رفع الدعوى للحصول على حقوق المستهلك ( الذي تم خرق حقوقه)، إلا أننا نعتبر أن ما اعتبره الكاتب امتيازاً للمستهلك برفع الدعوى على الجهة المخالفة هو آخر العلاج ( الكي)، فقانون حماية المستهلك لايهدف لإمطار الجهاز القضائي بدعاوى قانونية للجهات التي لا تلتزم بالقانون بل يهدف لدفع الجهات للالتزام بالقانون، وبالتالي ، وهنا أتحدث كمستهلك، أرى أن ما يعتبره الكاتب امتيازات في عبارته التالية ليس سوى أعباء لن يلجأ لها المواطن إلا في حالات خاصة جداً، ولنا كدليل في ذلك الحالات الكثيرة التي يتنازل فيها المواطن عن تحريك دعاوى قضائية ضد جهات متعددة ، وذلك حرصاً على عدم الدخول في دوامة القضايا، ومن المعلوم السنوات الطويلة والمراجعات العديدة التي يحتاجها هذا الموضوع.
(بل يمكنه إقامة الدعوى على مسبب الضرر بشكل مستقل ليطالب بالتعويض ، أويطالب بسحب المواد المخالفة أو المغشوشة ، كما يمكن لجمعية حماية المستهلك الانضمام إليه في دعواه لمساعدته في هذا المضمار ، ولها أن تدعي بشكل مستقل كجمعية تمثل المستهلكين ، ضمن الإطار المحلي لاختصاصها)
- يجانب الكاتب الحقيقة ( والواقع) حين يعتقد بعدم وجود ترابط بين قانوني التجارة وحماية المستهلك، ولتوضيح العلاقة بينهما أود الاستفسار عن الجهة المخالفة ( الواردة في قانون حماية المستهلك)، فيما لو وجدنا أن مادة ما مخالفة للمواصفات أو غير صالحة للاستهلاك ؟ هل هو البائع الذي قام ببيع المادة؟ أم صاحب المحل ( أو أصحاب المحل في حال وجود شركاء؟، أم المدير العام في شركات الأموال أم أحد موظفيه؟ أم الجهة الوسيطة التي قامت ببيع المادة للبائع النهائي؟ أم الجهة الناقلة التي لم تلتزم بشروط النقل ؟ أم الجهة المنتجة التي وضعت المواصفات على المنتج؟ أم الجهة الموردة للمادة الأولية للمنتج؟ أم الجهة التي قامت بتنظيم آخر عملية صيانة للخط الإنتاجي؟ أم عامل الوردية التي شاركت في الإنتاج؟ أم أم .. إلى غير ذلك من النقاط التي لا يمكن متابعتها دون وجود قانون تجارة فاعل، بل يتجاوز قانون التجارة إلى وضع الأسس الناظمة للمهن المختلفة، وطالما غابت هذه القضايا الناظمة، ( والنظم الإدارية المرتبطة بها والتي تسمح بتحديد المسؤولية) ، سيتم تحميل كافة المخالفات للبائع النهائي رغم أنه في معظم الحالات لا حول له ولا قوة، وبالتالي فالمستهلك لن يستفيد شيئاً، فالعالم اليوم يعيش في سلاسل تزويد وفي حال وجود خلل ما، لابد من إمكانية تحديد الحلقة التي ارتكبت الخطأ، بينما الحال لدينا أننا نبدأ بتجريم الحلقة الأخيرة ( أو أحد العاملين في الحلقة الأخيرة)، وعليه هو أن يثبت العكس رغم أنه لا يوجد قوانين أو أنظمة تسمح له حتى بالدفاع عن نفسه في هذا المجال، فمن المعلوم أن الحلقات الأولى في الاستيراد والإنتاج مسكوت عنها ولا يوجد قوانين تجبرها على الظهور إلى العلن حتى الآن.
- نقطة أخرى أثارها الكاتب، وتتعلق بعدم إحالة " المخالف المفترض" إلى السجن إن تقدم بطلب تسوية خلال المدة القانونية، ورغم أنني غير ملم بالقضايا القانونية، إلا أنني أعتقد أن هذا المنطق مماثل لمنطق قانون السير الذي يعتقد أن عدم التسديد خلال المدة القانونية يعرض لغرامة مضاعفة أو للسجن، وهنا ربما يجب أن نبدي استغرابنا من هذا المنطق، فمن يعتقد أنه مظلوم يجب أن يلجأ للقضاء ( وهذا حق كفله الدستور)، ولا يجب أن يعاقب على هذا الخيار من قبل السلطة الإدارية، أما ما ذكره الكاتب من أن ( المخالفات الكبيرة التي تعرض حياة وصحة وسلامة المستهلك للخطر ، فإنها بشكل طبيعي لا تخضع لأي تسوية ) ، فهي تدل على حجم المشكلة، فالآليات الحالية لا تسمح بتحديد المسؤول عن المخالفة الكبيرة، وهنا مكمن الخطر
وختاماً ربما من المفيد التوضيح أن ملاحظاتي المتعلقة بجمعية حماية المستهلك لم تكن بسبب تشجيعها للقانون ( وتعليماته التنفيذية)، بل بسبب موقعها الذي اختارته أقرب للجهة الحكومية، وبالتالي بدلاً من أن تحاول البحث عن طرق لتحفيز ودعم المنتجين والتجار والصناعيين على ثقافة حماية المستهلك، واتخاذ مبادرات في هذا الاتجاه، والضغط على الجهات الحكومية لتصحيح إجراءاتها الإدارية في هذا الاتجاه تضع نفسها طرفاً ( في طرف المستهلك نظرياً)، ولكنها في الواقع سكتت عن كل الثغرات التي تحيط بالإجراءات التجارية والصناعية والتوظيفية والتي تجعل قانون حماية المستهلك قابلاً للتطبيق، وتبنت موقع تحريك الدعاوى القانونية بدلاً عن المستهلك، دون أن تعالج الآليات التي تسمح بحماية فعالة للمستهلك قبل الوصول إلى مرحلة تحريك الدعاوى القانونية.

 

 

 

التعليمات التنفيذية لقانون حماية المستهلك ومدى ارتباطها بالقانون
المحامي فــاروق الربـاط : الباحث في شؤون حماية المستهلك
( كلنا شركاء ) : 11/7/2008
اطلعتُ على مقال المهندس الأستاذ محمود عنبر المنشور في نشرة كلنا شركاء العدد (4) من شهر تموز عام 2008 باتفاق خاص مع مجلة أبيض وأسود تحت عنوان ( التعليمات التنفيذية وفن إجهاض القوانين ) ، ذلك المقال الذي استهدف بمجمله التعليمات التنفيذية لقانون حماية المستهلك ووصل إلى نتيجة مفادها أن تلك التعليمات سابقة لأوانها ، ولأسباب وردت في ذلك المقال .
وقد وجدت لزاماً علي – باعتباري من أوائل مؤسسي جمعية حماية المستهلك ، ورئيساً لها لمدة ست سنوات ، كما كنت عضواً في لجنة وضع قانون حماية المستهلك بين عامي 2004 و2006 وعضواً في كثير من الاجتماعات التي كانت تعقدها بعض الجهات المعنية للوصول إلى وضع القواعد والأسس التي تحمي المستهلك ، أو تلك التي تعترض مصالحه ، وممثلاً للجمعية في الاتحاد العربي لحماية المستهلك – أقول ... وجدت لزاماً علي – وبكل الاحترام – أن أرد على ذلك المقال ، لغاية واحدة ، وهي أنني نذرت نفسي للعمل في بذل الجهود الكبيرة والمضنية خلال تلك السنين لنصرة المستهلك ، وتعزيز حقوقه ، ولا زلت حتى الآن أقوم بنشاط كبير في هذا المجال كباحث في حماية المستهلك ، وكذلك عبر جمعية حماية المستهلك ، وذلك كله بسبب أن المستهلك هو الطرف الضعيف في المعادلة الاقتصادية .، ناهيك عن أن كل شخص في أي مجتمع ، وبأي موقع كان ، يعتبر مستهلكاً بوجه من الوجوه.
وقد يسأل سائل - بعد هذه المقدمة – إذن ما ذا فعلتم كجمعية لحماية المستهلك طوال تلك الفترة ؟؟؟ وهذا لا ريب سؤال مشروع ، غير أن الإجابة عليه تقتضي مقالاً كبيراً يمكن التحدث عنه في غير هذا المقام ، ذلك لأن الجمعية تعرضت – في بداية تأسيسها - لكثير من الإشكالات والممانعات التي حالت دون تفعيل مهماتها وأهدافها السامية ، وبالتالي ، فإن هذا الأمر ليس مكانه في هذه الساحة ، وإنما يقتصر فقط على موضوع التعليمات التنفيذية للقانون. وأزعم أن الحوار والنقاش في موضوع ما ، لا بد أن تنتج عنه فوائد جمة يستفيد منها الجميع .وعلم الإنسان ما لم يعلم .
ولا بد لي - بادئ ذي بدء - من أن أنوه أن وجود قانون لحماية المستهلك هو أمر ضروري لكل مجتمع يهدف اقتصاده إلى رفع نسب النمو ليصل إلى مرحلة الرفاه الاجتماعي ، وأن الدول المتقدمة تسعى بكل إمكانياتها لوضع الأسس والقواعد التي تحمي المستهلك ورفع ثقافته ، وحمايته ، ومن ثم اعتباره طرفاً أساسياً وهاماً في عملية النمو الاقتصادي ، فكلما كان المستهلك مطمئناً في استهلاكه على صحته وسلامته وأمواله ، كلما ازدادت نسب النمو بشكل ملحوظ ، ولهذا فإن الدول المذكورة تبذل كل جهودها في سبيل تحقيق هذه الغايات .
وغني عن البيان ، أن دولاً عربية كثيرة سبقتنا في هذا المجال كالأردن ومصر ولبنان واليمن والمغرب وغيرها ، وأصدرت قوانين لحماية المستهلك . ولا أتحدث هنا عن الدول المتقدمة التي تجاوزت الآن مرحلة قوانين حماية المستهلك الصادرة فيها في مراحل غابرة ، فأحدثت – في مرحلة متقدمة - اتحادات متخصصة ونوعية تضبط كافة أحوال المستهلك وتقدم له التسهيلات والراحة للحصول على حقوقه كاملة بموجب قواعد شبه مشرعنة ، بل إن هناك دولاً صغيرة كجزيرتي مالطا وقبرص أحرزت نجاحاً باهراً بتلك الأمور بشكل ملحوظ ، كما يقوم الاتحاد الأوربي بدعم تلك الجمعيات والاتحادات ضمن إطار كبير يهدف بالنتيجة لحماية كافة مصالح المستهلك الأوربي ، وبالتالي ، تحقيق الرفاه الاجتماعي .
وقد أردت من كل تلك المقدمة أن أبين للأستاذ محمود عنبر وكافة المهتمين في شؤون المستهلك ،أن قانون حماية المستهلك -الذي يعتبر اللبنة الأولى في بناء قواعد وأسساً لحماية المستهلك - أصبح ضرورة لا بد منها لكل دولة تهتم باقتصادها وتسعى لتحقيق أعلى معدلات النمو ، الأمر الذي يفرض شرعنة حماية المستهلك ، وتكريس حقوقه ، وبالتالي ، فإن قانون حماية المستهلك السوري رقم (2) الصادر بتاريخ 10/3/2008 ، النافذ بتاريخ 11/6/2008 ، إنما هو قانون فرضته الضرورة ، ذلك لأن المستهلك عندنا لم يكن لديه أية حقوق قبل صدور القانون إلا بشكل ضيق جداً ، أما بعد ذلك ، فقد أصبح المستهلك طرفاً هاماً وعنصراً محركاً في القانون له حقوق تصان بها مصالحه ، بل يمكنه إقامة الدعوى على مسبب الضرر بشكل مستقل ليطالب بالتعويض ، أويطالب بسحب المواد المخالفة أو المغشوشة ، كما يمكن لجمعية حماية المستهلك الانضمام إليه في دعواه لمساعدته في هذا المضمار ، ولها أن تدعي بشكل مستقل كجمعية تمثل المستهلكين ، ضمن الإطار المحلي لاختصاصها . وأن التعليمات التنفيذية لذلك القانون لا تحول دون تنفيذ ذلك . وقد يكون المستهلك تاجراً أو صناعياً أو منتجاً أو مسؤولاً كما أسلفت ، وبالتالي ، فإنه يستطيع ممارسة حقوقه بصفته مستهلكاً ..
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن دول العالم لم تعد معزولة عن بعضها البعض ، وأضحت مصالح الدول – نتيجة العولمة – تخضع لاشتراطات يفرضها المجتمع الدولي في معرض تنظيم العلاقات التجارية والصناعية والزراعية وتبادل السلع والمنتجات بسرعات مذهلة نتيجة التطور التكنولوجي ، وأضرب مثلاً على ذلك دستور الغذاء العالمي المعروف باسم الكودكس (
KODEX ) الذي يشترط لانتساب دولة ما لتلك الهيئة أن يكون لديها منظمات لحماية المستهلك ( جمعيات أهلية ) ، الأمر الذي يلزم – بالتبعية – تأسيس قواعد مقوننة لحماية المستهلك .
أما فيما يتعلق بالتعليمات التنفيذية لقانون حماية المستهلك السوري ، فهي ناتجة – أصلاً- عن القانون ذاته ، وهي قابلة للتعديل مستقبلاً بما ينسجم مع نصوص القانون أو نتيجة لوجود ثغرات فيها بعد التطبيق ، أو ظهور ممارسات خاطئة ، وبالتالي ، فإن مقولة أن التعليمات التنفيذية بدأت بتنفيذ القانون من بند العقوبات، هو قول مبالغ فيه بعض الشيء ، إذ أن التعليمات التنفيذية لا توضع من فراغ ، فالقانون وضع نصوصاً بقصد عدم تعرض المستهلك للغش والتدليس أو الانتقاص من حقوقه أو إنزال الضرر به أو بصحته أو سلامته . فعلى سبيل المثال نص القانون في إحدى مواده بأنه : يحظر الامتناع عن البيع أو البيع المشروط أو الإعلان عن عدم إمكانية إعادة السلعة المبيعة أو الامتناع عن تضمينها في عقد البيع أو الفاتورة أو تقديم خدمة أخرى غير مطلوبة من قبل المستهلك أو بيع أو تقديم الخدمة بسعر متدن كون المنتج غير مطابق للشروط الخاصة بالمنتج أو غير صالح للاستخدام .
فإذا كان هناك مخالفة لأحد مفردات المادة المذكورة ، فإن القانون أتاح للمخالف فرصة للتسوية قبل تطبيق العقوبات على النحو المقرر في المادة 43 منه التي نصت على ما يلي :
يعاقب بالغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف ليرة سورية كل من يخالف أحكام المواد / 14/19/20/21/22/33 ب / وتخضع للتسوية وفق التعليمات التي تصدر لهذه الغاية عملا بأحكام المادة /50/ من القانون.
هذا ، وقد صدر القرار الخاص بالتسويات عن السيد وزير الاقتصاد الذي ترك للمخالف - بعد تنظيم الضبط واستلامه النسخة المخصصة له- أن يلجأ إلى طلب التسوية على الفعل المخالف وخلال ثلاثين يوماً من تاريخ تنظيم الضبط ضمن إجراءات بسيطة نصت عليها التعليمات التنفيذية ، وبالتالي ، فإنه يدفع الحد الأدنى من الغرامة ويُكتفى بذلك العقاب ويحفظ الضبط دون الإحالة إلى القضاء ، ويدفع عن نفسه عقوبة الغرامة بحدها الأقصى أو عقوبة السجن .
إن ما ذكرته أعلاه يدل على أنه يمتنع على الضابطة العدلية التي تشكلها الجهة المعنية عن إحالة الضبط فوراً إلى القضاء ، ما لم تبلغ المخالف صورة عن الضبط ، وأن تمضي المدة المتاحة للمخالف بطلب التسوية ، فإذا تقدم المخالف بهذا الطلب ، فإن الجهة المعنية ملزمة بالتسوية وتغريم المخالف بالحد الأدنى للغرامة ، وختم الضبط دون الإحالة إلى القضاء . فهل هذا الأمر يعني أن مجرد وقوع المخالفة فإن صاحبها يساق إلى السجن كما ذكر الأستاذ عنبر ؟؟ ، وهذا ما قصدته تماماً من أن مقال الأستاذ محمود عنبر فيه مبالغة بعض الشيء
أما المخالفات الكبيرة التي تعرض حياة وصحة وسلامة المستهلك للخطر ، فإنها بشكل طبيعي لا تخضع لأي تسوية ، اللهم إلا إذا أسقط المتضرر حقه تجاه المخالف نتيجة تسوية جرت بينهما.
أما ما أشار إليه الأستاذ عنبر من اعتراضات تجار العصرونية في اجتماع غرف التجارة والصناعة ، فقد أُجيب عليها في ذات الاجتماع بأن على هؤلاء التجار التأكد من هوية المراقب والاطلاع على مهمته والتقيد بها ،ذلك لأن الجهة المختصة تحدد مهمة كل مراقب ببطاقة ظاهرة على صدره مثبت فيها اسمه ومهمته وغيرها من المعلومات ، غير أن التجار والصناعيين لا يتبعون تلك التعليمات ويختصرون الوقت بترضية أي شخص يمكن أن يكون منتحلاً صفة المراقب التمويني أو الصحي أو الخدمي ، وبالتالي ، فإنه من الظلم أن نقول بأن التعليمات التنفيذية للقانون تبدأ من العقوبات ، فالمخالفة إذا كانت ظاهرة ويطالها القانون ، فإن العقوبة تكون قابلة للتسوية في بعض الحالات ، وإذا تراخى المخالف عن تقديم طلب التسوية ، فسيتعرض حتماً للعقوبة المنصوص عليها في القانون التي تكون إما بالغرامة أو بالحبس أو بإحدى هاتين العقوبتين .
ومن الجدير بالذكر والأهمية ، أن جميع العقوبات التي نص عليها القانون تتراوح بين الغرامات وبين عقوبة الحبس أو بإحدى هاتين العقوبتين ، وهذا يعني أنه إذا ارتكبت مخالفة ما فليس من الضروري أن تكون العقوبة الحبس ،وإنما من المحتمل – وهذا غالب الظن – أن تقتصر على الغرامة ، إلا أن مقال الأستاذ عنبر بين أن القانون يطبق من آخره بفرض عقوبة السجن بحق المخالف ..!!!مع العلم أن فرض العقوبة يكون من قبل القضاء بعد محاكمة أصولية .
هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية ، فقد أشار مقال الأستاذ عنبر إلى قانون التجارة وساوى بينه وبين قانون حماية المستهلك بالنسبة للتعليمات التنفيذية ، وذلك بالرغم من أن هناك فروقا كبيرة بين القانونين ، فقانون التجارة يعتبر قانوناً عريقاً صدر في عام 1949 ، واقتضى مرور الزمن الطويل والتطورات الاقتصادية العالمية والعولمة إلى إصدار قانون آخر يأخذ بعين الاعتبار تلك التطورات . أما قانون حماية المستهلك فهو قانون حديث جداً ، كما أن ثقافة الاستهلاك وحماية المستهلك جديدة على بلدنا سواء أكانت تلك الثقافة تخص المستهلك أو البائع أو المصنع أومقدم الخدمة ، هذا وأن أهداف قانون حماية المستهلك تختلف عن مضمون نصوص قانون التجارة الذي يعتبر معقداً ومتفرعاً . في حين أن قانون حماية المستهلك له خصوصية معينة تهدف إلى غير الأهداف التي يضطلع بها قانون التجارة ، فضلا عن أن إيقاع قانون حماية المستهلك أسرع بكثير من إيقاع قانون التجارة ، لذلك لا يمكن المقارنة بين القانونين ، وقد تكون هناك بعض الثغرات سواء في القانون أو في تعليماته التنفيذية ، غير أن هذه الثغرات لا يمكن اكتشافها إلا بعد التطبيق الفعلي وليس قبله كما تراءى للأستاذ عنبر ، وبالتالي ، فإن القانون أو تعليماته التنفيذية ليست كتاباً منزلاً وأن واضعي القانون بشر ، والبشر لا بد من أن يخطئوا ، هذا ناهيك أن حركة حماية المستهلك في العالم أجمع متطورة دائماً وسريعة الإيقاع كما سبق وأسلفت ، الأمر الذي يمكن معالجته بتعديل القانون وجعله منسجماً مع تلك التطورات ، أما إذا تريثنا في إصدار القانون أو تعليماته التنفيذية ، فقد يأخذ ذلك عقوداً دون أن يُفعل قانون حماية المستهلك ، الذي أصبح ضرورة وليس ترفاً ، وسنبقى متخلفين في هذا المضمار عن بقية دول العالم .والله من وراء القصد .

أدناه مقالة المهندس محمود عنبر والتي نشرت في " كلنا شركاء " تاريخ 04-07-2008

التعليمات التنفيذية وفن إجهاض القوانين
م
. محمود عنبر: ( كلنا شركاء ) باتفاق خاص مع مجلة أبيض و أسود
هل
يبالغ المواطنون في خشيتهم من أي قانون جديد؟ وهل المواطن السوري قد اعتاد مخالفة القوانين؟ أم أن القوانين قد فصلت ونفذت بعيداً عن الواقع السوري؟ ولماذا تعثرت سياسة التطوير بالقوانين؟ وما هو دور التعليمات التنفيذية في هذا التعثر؟ وماذا بقي من الشراكة بين المواطن والحكومة في عملية التحديث؟
هل يقرأ المواطن القانون بالمقلوب؟

في لقاء مع التلفزيون السوري مؤخراً، ذكر السيد عدنان دخاخني رئيس جمعية حماية المستهلك أن المواطن السوري يقرأ القوانين بالمقلوب، وبالتالي يعترض على العقوبات الواردة في القوانين، دون أن يقرأ النقاط الإيجابية التي يوردها القانون، ورغم صحة هذه الملاحظة، فإن سببها ليس عدم قدرة المواطنين على قراءة القوانين من أولها إلى آخرها كما يعتقد السيد رئيس الجمعية، ولكن تجارب المواطنين المريرة مع الجهات المنفذة للقوانين وتعليماتها التنفيذية، التي تبدأ بتنفيذ القوانين من بند العقوبات، ونعتقد أن هذه الفكرة قد أكدتها اعتراضات تجار العصرونية في اجتماع غرف التجارة والصناعة، حيث بينوا أن مراقبي التموين قد قاموا بالفعل بالبدء بتطبيق القانون من آخره في اليوم الأول لسريان القانون، وهنا قد لا تكون المشكلة في المراقبين على الرغم من فساد بعضهم ولكن في الجهات التي تصدر تعليمات تنفيذية تعلم أنها غير قابلة للتنفيذ باستثناء العقوبات طبعاً.
قوانين جميلة لكن؟
عانت سوريا في السنوات الأخيرة من صدور مجموعة كبيرة من القوانين التي تفوق قدرة المواطن السوري على التحمل، والسبب ليس عدم رغبة المواطن بالتطوير، ولكن أي تطوير إما أن يأخذ منحى تدريجياً أو أن يأخذ منحى ثورياً، وفي الحالتين، يجب أن تنسجم العقوبات مع حجم وسرعة التغيير، أما ما يحصل محلياً، فهو تغييرات ثورية في العقوبات لا ترافقها تغييرات وخطوات تطويرية (ثورية أو تدريجية) في الواقع، وبالتالي فمع أي قانون يصدر يرى المواطن أنه قد أصبح فجأة خارج إطار القانون دون أن يكون لديه أية وسيلة للحاق بالتغييرات القانونية، فأي تغيير يتسم بالبطء خاصة حين يتطلب إجراءات خارج صلاحيات وإمكانات الفرد أما العقوبات فيبدو أنها تسبق الزمان والمكان.
وهنا لابد من توضيح أننا لا نعارض الصورة الوردية التي يتم رسمها في القوانين، ولكننا نعتقد أنه إن كان مسموحاً للقوانين أن ترسم صورة وردية بعيدة المدى، فالتعليمات التنفيذية - على الأقل - يجب أن تنطلق من الواقع، وأن يتم تعديلها تدريجياً مع تطور الواقع، وإلا فما هو مبرر إصدار تعليمات تنفيذية إن كانت ستكرر ما ورد في القوانين؟ وما هي فلسفة التعليمات التنفيذية التي يمكن تعديلها من قبل الحكومة إن كانت ستكرر القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية كما هي؟
من التعليم إلى حماية المستهلك:
منذ أن صدرت التعليمات التنفيذية لقانون التعليم الخاص قبل عدة سنوات وأدت لكارثة في التعليم الخاص والحكومي والتي عالجناها في حينه (راجع مقال وزارة التربية) منبر للعلم أم للندم؟ للكاتب المنشور في عام (2003) في المجلة، ويتبادر إلي ذهننا السؤال التالي مع كل صدور لقانون جديد: هل قامت الجهات التي وضعت التعليمات التنفيذية بقراءة دقيقة للواقع؟ وهل يتوفر لديها المعطيات التي تسمح لها بوضع تعليمات تنفيذية تساهم في تحقيق أهداف وغايات القوانين؟ وهل يتم وضع هذه التعليمات من خلال رؤية واضحة للانعكاسات التنموية والإدارية والفنية لهذه التعليمات؟ أم أن القضية لا تتجاوز رفع العتب؟ وبالطبع، طلب مزيد من الصلاحيات رغم أن الجهات الحكومية أصبحت تعاني من تخمة في حجم الصلاحيات الممنوحة لها، مقارنة مع هزال شديد لحقوق المواطن، فحتى قانون حماية المستهلك لا يمتلك أي حظوظ لتطبيقه بشكل جدي وعملي على أرض الواقع، باستثناء شق العقوبات طبعاً، وذلك في ظل هشاشة التعليمات التنفيذية وعدم انطلاقها من واقع الأسواق، وبالتالي فإننا نتفق مع من ذهب في القول إلى أن القانون لن يؤدي إلا إلى عقوبات أكثر، وشل للحركة الاقتصادية، وذلك في تكرار لتجربة قانون السير السياحي الذي كان عبئا على الجهات المنفذة بسبب عدم جديته، الأمر مشابه بالنسبة لقانون حماية المستهلك، وذلك بسبب أن التعليمات التنفيذية لم تنطلق من واقع الأسواق، وهنا ربما يجب أن نبدي استغرابنا من دور جمعية حماية المستهلك الذي انحاز لوجهة نظر الحكومة، وربما لآليات عملها أيضاً، أما فكرة حماية المستهلك، فيبدو أنها ستصبح واحدة من الشعارات الكثيرة التي يتم تداولها إعلامياً فقط، فلا حماية للمستهلك في ظل قوانين زجرية بعيدة عن الواقع.
ما هو واقع الأسواق السورية؟
لتوصيف واقع السواق السورية سنبدأ بتعداد للكلمات المفتاحية التي وردت في قانون حماية المستهلك وهي التالية: (إنتاج - عرض - توزيع – حيازة - الموردين غير النظاميين - عقد البيع - الفاتورة - المنتج - المستورد - بائع السلعة - مقدم الخدمة – موزع).
تبين قراءة سريعة للنقاط السابقة أن هذه الكلمات المفتاحية هي نفسها التي وردت في قانون التجارة، وبما أن قانون التجارة لم ينفذ بعد، وأعتقد أنه يحتاج لسنوات ليتم تنفيذه بشكل جدي، فقد كان من المبكر جداً طرح تنفيذ قانون حماية المستهلك بشكله الحالي أو على الأقل تفعيل بند العقوبات بالطريقة الحالية قبل تهيئة الأرضية المناسبة.
بالطبع القضية لا تقتصر على النقاط المتعلقة بقانون التجارة (وقانون الشركات المرتبط به – بعد تصحيح الثغرات الكبيرة التي تضمنتها) إذ فيما يتعلق بالجزء الخاص بالمنتجين، لابد من جهد كبير يجب أن يتم عبر وزارة الصناعة لتنظيم وضبط عمل الجهات الصناعية بما ينسجم مع الواقع الجديد، وفيما يتعلق بالمستوردين، فهناك ثغرات كبيرة تجب مناقشتها مع إدارة الجمارك العامة، وأخيراً فيما يتعلق بالموردين والمنتجين غير النظاميين، فهناك جهد وطني يجب بذله للحد من تأثير القطاع غير المنظم على حقوق المستهلك.
أي ببساطة، ليتم تنفيذ البنود (غير الزجرية) في قانون حماية المستهلك – تحتاج كل من وزارتي الصناعة والتجارة لتخصيص مبلغ لا يقل عن (300- 500) مليون ليرة لكل منهما، ولعمل جدي يتراوح بين السنة والسنتين، ومن ثم يقوم القطاع الخاص بتهيئة نفسه للعمل وفق القانون الجديد، وعندها يصبح للتعليمات التنفيذية الخاصة بحماية حقوق المستهلك معنى.
طبعاً هذا الافتراض لا يأخذ بعين الاعتبار المشكلة المزمنة في سوريا والناجمة عن عدم التنسيق بين الوزارات المختلفة، فعلى سبيل المثال، وأثناء إعداد هذه المقالة صدر الخبر التالي: (أصدر الدكتور «محمد الحسين» وزير المالية أمس القرار «2052» المتضمن اعتماد دليل الأنشطة الاقتصادية دليل المهن الذي تم العمل على وضعه وفق طريقة الترميز والتصنيف المستخدمة في التصنيف الصناعي الدولي والمعياري للأنشطة الاقتصادية بإصداره الرابع والصادر عن دائرة الإحصاءات في الأمم المتحدة بمسودة محدثة عن الإصدار الثالث).
طبعاً من حيث المبدأ فكرة إصدار دليل محدث للأنشطة إيجابية، ولكن إن علمنا بوجود ثلاثة تصانيف مختلفة للأنشطة في سوريا وأنه هناك جهات تعمل على توحيد وتنسيق الجهود بين الجهات الثلاث، ومن ثم تأتي جهة رابعة بتصنيف جديد (التصنيف الدولي يحتاج لجهود مشتركة لإسقاطه على الواقع المحلي، وبما أنه هناك تصانيف سابقة، فالمهمة تصبح أكثر صعوبة، ولا يجب أن تبدأ بها جهة ما من الصفر، وذلك كون هذا الطريق مغلق). ولهذا فإن صح الخبر، فنحن أمام مشكلة مشابهة لمشكلة التصنيف المنسق للمواد (
Harmonized system) الذي تم اعتماده في سورياولكنه حتى الآن لا يتطابق بين الجهات الحكومية المختلفة (لأسباب مشابهة).
إذاً، الأسواق السورية تعاني من عدم التنظيم، ومن فجوات هائلة في آليات التنظيم، ومن غياب كامل لإدارة فعالة لمعظم مكونات عملية حماية المستهلك، وبالتالي فالتسرع في إصدار التعليمات التنفيذية (بطريقة الصدمة الكهربائية) لن تفيد شيئاً، إلا في منح صلاحيات استثنائية لمجموعة من الأفراد، وهكذا، يتم اختصار الجزء التنفيذي من أي قانون جديد بتشكيل ضابطة عدلية جديدة تساهم في جعل النشاطات المجتمعية أكثر صعوبة، وذلك بسبب الاستخفاف التي تعامل به عملية إصدار التعليمات التنفيذية للقوانين.
وختاماً: ربما تجب الإشارة إلى أننا لم نعد نعلم ما هو الفرق بين التعليمات التنفيذية لقانون السير أو للمدارس الخاصة أو لحماية الغابات أو لحماية المستهلك أو لمنع التعديات على شبكة الكهرباء والهاتف والمياه أو حماية حقوق المؤلف أو التنظيم السكني والعمراني، طالما أنها جميعاً يتم حصرها في مفهوم موظف حكومي يملك القوة والقانون والتعليمات ومواطن مخالف للقانون يجب أن يذهب إلى السجن، وبالتالي غاب مفهوم الشراكة بين المواطن والحكومة في عملية التطوير والتحديث، وفقدت عملية التطوير بالقوانين أهم مقوماتها.