تعقيباً على الدكتور محمد بشير المنجد
م.محمود عنبر: ( كلنا شركاء ) 29/11/2007
السادة كلنا شركاء
قرأت تعليق السيد وزير الاتصالات والتقانة السابق الدكتور محمد بشير المنجد والوارد في نشرتكم بتاريخ 27-11-2007،
والذي يعتبر بمثابة قرع جرس إنذار للوضع الحالي للإنترنت في سورية، ورغم أن الدكتور بشير قد حاول صياغة ملاحظته بأسلوبه الدبلوماسي المعهود، إلا أن من يقرأ مابين السطور يدرك أن المقصود هو توجيه إنذار ( وليس مجرد تحذير).
بداية لابد من الإشارة للأيادي البيضاء للدكتور محمد بشير المنجد على واقع تقانات المعلومات والاتصالات في سورية، فقد شهدت سورية الرقمية في تلك الفترة قفزات واسعة نسبياً أدت لتغطية بعض الفجوات الكبيرة التي كانت في واقعنا ( في ذلك التاريخ)، وبرغم أنك قد تختلف مع الدكتور بشير في بعض المواضيع، إلا أنه لا يمكنك إلا أن تثمن عالياً الجهود التي بذلها في تلك الفترة لتطوير واقع تقانات المعلومات والاتصالات. وإنني أذكر أن فترة تواجده في الوزارة كانت فترة ذهبية في مستوى الانسجام بين مثلث ( الوزارة – مؤسسة الاتصالات – الجمعية المعلوماتية)، وأذكر أنني في تلك الفترة كنت أجتمع بزملائي ( أعضاء الجمعية) من خلال مشاركتنا في لجان العمل ( في الوزارة) أكثر من اجتماعاتنا في الجمعية، وبرغم أن معظمنا كان يعمل مجاناً في تلك الفترة، فقد كان لدينا أمل بأننا نقدم مساهمة ( قدر الإمكان) في دفع الأمور نحو الأمام.
لقد كان أهم إنجاز يحسب للدكتور بشير المنجد ، ولفريق عمله في ذلك الوقت ( الدكتور عماد صابوني – الدكتورة نبال إدلبي – الدكتور سمير عيطة) ، هو قيامهم بوضع أول إستراتيجية جدية في تاريخ سورية الحديث، لكن هذه الإستراتيجية كانت في الوقت نفسه ، ربما خطوة غير محسوبة بالشكل المناسب، إذ إن المعارضة التي لاقتها تلك الإستراتيجية ، قد أدت إلى إجهاضها في نهاية المطاف، وكانت ( من ناحية أخرى) شرارة الخلاف مع الدكتور بشير في حينه، وذلك ربما كوننا اعتبرناها الحلم الذي يجب تحقيقه بأي ثمن.
لقد كانت هذه الإستراتيجية هي نقطة الضوء المظلمة التي رأيناها في نهاية النفق، ولهذا فقد كنا نطمح في تنفيذ كامل وجدي ومضمون لهذه الإستراتيجية، وحينها أعتقد أن الدكتور بشير قد اتبع الطريقة المحافظة عندما حصل على موافقة مجلس الوزراء على هذه الإستراتيجية ومن ثم قرر أن يتم تنفيذها من خلال الخطة الخمسية. ورغم معارضتنا في حينها لهذا الموقف، ومحاولتنا إيجاد برنامج تنفيذي مستقل لهذه الإستراتيجية، ( ربما تيمناً ببرنامج مكافحة البطالة الذي أنفق 50 مليار ليرة، وفي حينها ربما كان يكفينا خمس هذا المبلغ لإطلاق الإستراتيجية بطريقة تجعلها غير قابلة للتراجع)، بالرغم من ذلك، فإننا تابعنا تعاوننا مع الوزارة في العديد من المواضيع بانتظار تبلور الأمور في مجال الإستراتيجية، وربما حينها حصلت مجموعة من الأمور التي جعلتنا نرى أن هذه الإستراتيجية لن تنفذ، ونعتقد أن الاتجاه الذي آلت إليه الأمور تجعلنا نعلم أسباب عدم تنفيذ الإستراتيجية، ولكن ما توقفت عنده هو عبارة الدكتور بشير التالية
( ربما إقرار شيئ استثنائي للتعاقد ... مع توسيع حجوم سريع جدا وليس إتباع قواعد تعاقدية تقليدية ) .
وبالتالي، فربما لو تم الإصرار على هذا ( الشيء الاستثنائي) في تاريخه لمجمل الاستراتيجية، لكانت سورية اليوم في موقع آخر ( رقمياً)
عندما قرأت هذا التصريح الخطير لوزير الاتصالات السابق، تذكرت زيارتنا الأخيرة لمكتبه ( قبل حوالي سنتين)، وأذكر أنه استعرض أمامنا مجموعة المشاريع التي كان يعمل عليها، وأعلمنا بشكل سريع بأسباب توقف أو تلكؤ تنفيذ كل من هذه المشاريع، وكأنه يريد أن يقول لنا انه قد بذل جهده، ولكن الأمور أصعب من أن تنفذ، وأن قوى الممانعة أقوى مما كان يعتقد، وربما الآن علينا أن نفكر، إن كانت قوى الممانعة قد تمكنت من إيقاف مجموعة من المبادرات والمشاريع في ظل العصر الذهبي ( للمجتمع المعلوماتي إن صحت التسمية)، فكيف سيكون الحال الآن في ظل الشرذمة التي حصلت، وفي ظل تعرض " المجتمع المعلوماتي" لواحدة من أشد الهجمات التي تستهدف مستقبله قبل حاضره؟
في موضوع الإنترنت:
في ظل صرخة التحذير التي أطلقها الدكتور بشير المنجد، سأحاول فيما يلي ( وللتاريخ حصراً) ، تقديم وجهة نظري لطبيعة " الجرعة" التي يتطلبها موضوع ( الإنترنت في سورية)، خاصة بعد أن حلت سورية في تقرير عام 2007 في المرتبة ( 115 ) ، في مؤشر الفرص الرقمية، وفي المرتبة ( 127) في مجال الكثافة الرقمية ( والذي يعبر عن عدد اشتراكات الإنترنت عريضة الحزمة، وسعات التخابر الدولية)، وهذه المؤشرات تدل على أننا ننتقل سريعاً من قائمة الدول شبه متوسطة الأداء ( المجموعة الثالثة) إلى قائمة الدول ( المنخفضة الأداء- المجموعة الرابعة)، والتي تعتبر الأخيرة في القائمة ( يفصلنا 8 دول عن الدخول لهذه القائمة)، وبما أنني أتفق مع الدكتور بشير بضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية، فسأبين فيما يلي مقترحات لهذه الإجراءات:
1- تقديم اعتذار لشبكة العلماء السوريين في المغترب ( نوستيا)، وذلك كونها قد تقدمت في العام الماضي بدراسة متكاملة ومقترح لإخراج شبكة الإنترنت السورية من عنق الزجاجة، وقد ضمنت مقترحها بمشروع للمرحلة الأولى من الحل المقترح، والذي يركز على تحسين جدي لأرقام ونوعية اشتراكات الإنترنت ( بالحزمة العريضة)، والتي ربما لو تحققت لتقدمنا لعدة نقاط في الترتيب لهذا العام ( بدل التراجع)، وذلك بعد أن قام إثنين من الخبراء السوريين المغتربين ( المتخصصين في هذا المجال) بالقيام بعدة زيارات قبل وضع مقترحهم النهائي، والطريف في الأمر أن المغتربين السوريين ، قد وعدوا بتأمين التمويل اللازم لتنفيذ الدراسة، وإطلاق هذه المرحلة، وتشغيلها بالشكل الأمثل، ولكن للأسف تم التعامل مع هذه المبادرة الجدية باستخفاف وتبسيط.
2- تقديم اعتذار للجهات المؤسسة للجمعية السورية المهنية لتقانات المعلومات والاتصالات ( بيكتا)، وذلك بعد الطريقة التي تم التعامل بها مع مبادرتهم لمعالجة مشكلات البنية التحتية للإنترنت في سورية، وربما أفضل طريقة للاعتذار هي في طي ( قرار الطي) الخاص بإشهار الجمعية، خاصة بعد أن تبين أن الجمعية لم يكن لها علاقة من قريب أو بعيد بكل العقود والتجهيزات التي تم الحديث عنها، وأن العملية لم تكن أكثر من ربط خاطئ للمعلومات.
3- تقديم اعتذار للجمعية المعلوماتية عن حملات التشهير التي تتعرض لها حالياً، وإيقاف محاولات إغلاق مزود خدمة الإنترنت التابع للجمعية ( وأفضل استخدام هذه التسمية عن تسمية الأولى التي لم أرتح لها يوماً)، خاصة عندما حاولت تغيير عناوين بريدنا الالكتروني لنستخدم هذا الإسم الجديد، ويبدو أن خطأ ربط المعلومات قد انتقل من قضية بيكتا إلى قضية الجمعية المعلوماتية، فالجمعية المعلوماتية هي جهة غير حكومية تعمل لتنمية قطاع تقانات المعلومات والاتصالات في سورية، ومزود الجمعية هو أحد مشاريع الجمعية الذي أنشئ لمساعدة الجمعية على تحقيق أهدافها، والجهة المشغلة هي الجهة التي تقوم بتشغيل التجهيزات التي يحتويها المشروع، وإن الخطأ القاتل في ربط المعلومات ( إن استمر) سيكون ذو آثار سيئة وبعيدة المدى.
4- دعوة الجهات الثلاث السابقة ( نوستيا – بيكتا – الجمعية المعلوماتية) لتقديم مقترح إنقاذي لواقع شبكة الإنترنت في سورية، مع ( التمنى عليهم ) لتمويل الدراسات اللازمة، أو طلب الحصول على تمويل من إحدى الشركات القابضة التي أنشئت حديثاً مقابل منحها أولوية في الحصول على عدد من الأسهم في الشركة التي سيتم إحداثها.
5- قيام السيد رئيس مجلس الوزراء بالموافقة على إنشاء شركة مشتركة لتقديم خدمات البنية التحتية لشبكة الإنترنت ، وذلك وفقاً للمادة 36 من القانون رقم 2 الصادر في 9-1-2005 .
6- إدراج الشركة التي سيتم إنشاؤها في البورصة السورية، على أن يتم توزيع الأسهم عند إطلاقها بالشكل التالي:
25 % للجهات غير الحكومية ( المذكورة سابقاً).
25% للشركة القابضة.
25% ( لمزودي الإنترنت بنسب متساوية تقريباً )
25% تطرح للاكتتاب العام.
وهنا ربما يتساءل البعض عن سبب وضع هذه التركيبة، والسبب يكمن في اعتقادي أن المشكلة ليست مقتصرة على التمويل ( صعب التحقيق)، ولكن أيضاً في تحقيق إدارة عالية الكفاءة لهذا المرفق الهام، وهذا لن يرعاه إلا مجلس إدارة يمثل كافة الجهات المعنية، وبالتالي يضمن عدم الانحياز لجهة على حساب باقي الجهات.
وختاماً، أتمنى أن لا نجتمع في العام القادم لنناقش أسباب تراجع ترتيبنا لعدة درجات إضافية، بسبب عدم التقاطنا لهذه الفرصة، وانشغالنا بتصفية الحسابات القديمة، وبالتالي يدفع الجيل القادم ثمن أخطاءنا من الحاضر وإلى المستقبل.