رفع التنافسية عبر بوابة التعليم

 
م. محمود عنبر:

مجلة أبيض و أسود


هل تمكن تقرير التنافسية من توضيح المشكلات المركبة التي يعاني منها التعليم في سوريا؟ أم أننا بحاجة لتقارير أكثر تفصيلاً؟ وهل سيتم اتخاذ إجراءات تصحيحية؟ أم ستستمر سوريا بدفع ثمن ضعف نظامها التعليمي؟
التعليم في تقرير التنافسية:
لقد حدد التقرير الوطني الأول للتنافسية، والذي صدر مؤخراً مجموعة من السلبيات التي يعاني منها النظام التعليمي في سوريا، والتي لعبت دوراً في تراجع ترتيب تنافسية سورية، وذلك وفقاً لما يلي:
نوعية التعليم الأساسي: الترتيب (83) نقطة ضعف.
الإنفاق على التعليم: الترتيب (104) نقطة ضعف شديد جداً.
عدد الطلاب في التعليم الثانوي – الترتيب (94) نقطة ضعف.
عدد الطلاب في التعليم ما بعد الثانوي – الترتيب (93) نقطة ضعف.
جودة النظام التعليمي – الترتيب (102) نقطة ضعف شديد.
الولوج إلى الإنترنت في المدارس – الترتيب (121) نقطة ضعف شديد جداً.
وقد طالب التقرير بتطوير نوعي للمناهج التعليمية، وذلك في محاولة لتغطية نقاط الضعف المبينة سابقاً، وإذا علمنا بأن سوريا قد حلت في المرتبة (84) من أصل (128) دولة تضمنها تقرير التنافسية العربي، لتبين لنا أن النقاط المتعلقة بالتعليم تلعب بشكل عام دوراً في تراجع ترتيب سوريا في مجال التنافسية.
التعليم الثانوي:
بالتزامن مع صدور التقرير، أعلنت وزارة التربية أن عدد المسجلين لامتحانات الشهادة الثانوية يبلغ ما يلي:
(وصل عدد المسجلين في امتحانات الشهادة الثانوية العامة بفرعيها الأدبي والعلمي إلى (326291) طالباً وطالبة، منهم في الفرع الأدبي (234634) طالباً وطالبة، وفي الفرع العلمي (91657) طالباً، وبلغ عدد المسجلين في الثانوية المهنية بفروعها المختلفة (38222) طالباً وطالبة).
نظرة سريعة للأرقام المعلنة تؤدي لطرح العديد من التساؤلات والاستفهامات، ففي مطلع العام الدراسي الحالي أعلنت وزارة التربية ما يلي: يتوجه غداً مع بداية العام الدراسي الجديد أكثر من (خمسة) ملايين طالب وتلميذ وطفل من كافة مراحل التعليم إلى مدارسهم ومعاهدهم بالمحافظات السورية. ويبلغ عدد الطلاب المسجلين في مرحلة التعليم الأساسي ما يزيد على (4.394.294) وفي مرحلة التعليم الثانوي العام (361.745) وفي مرحلة التعليم المهني بكافة فروعه (103.573).
وهنا ربما يحق لنا أن نسأل السؤال التالي: إن كان عدد الطلاب المسجلين في المرحلة الثانوية العامة بصفوفها الثلاثة: (الأول الثانوي والثاني الثانوي والثالث الثانوي) يبلغ (361.745) فكيف تقدم منهم (326291) لامتحان الشهادة الثانوية في عام واحد؟ وهذا يبين أنه هناك نسبة هامة من الأحرار المتقدمين لامتحان الشهادة الثانوية راسب أو ناجح ويعيد أو المتسربين ممن يدرسون من المنزل أو في معاهد خاصة، ولا ندري لماذا لم تقم الوزارة بنشر هذه المعلومة؟ وذلك رغم أهمية هذا الرقم كونه يشكل الطلاب الذين لا يستفيدون من الدعم الحكومي المقدم للمرحلة الثانوية، أو من نظام التعليم الرسمي، ويجب أن تبين الإحصاءات نتائجهم بشكل مستقل، وذلك لنتمكن من تحديد معدلات النجاح الحقيقية في النظام التعليمي الحكومي، وبالتالي فإن النشرة الإعلامية التي أصدرتها وزارة التربية عن النتائج لا تعكس طبيعة المعلومات التي يجب نشرها.
نسبة النجاح لهذا العام في الفرع العلمي وصلت إلى (74 %) وأن (23) طالباً من هذا الفرع حصل على العلامة التامة، وتوزع الطلاب الحاصلين على الدرجة التامة في الفرع العلمي بين (9) محافظات، منهم (20) طالباً أتم دراسته في المدارس الحكومية منهاج حديث. كما حصل (44) طالباً على درجة (259) درجة، و(52) طالباً حصل على (258) درجة في الفرع العلمي، ونسبة النجاح بالفرع الأدبي وصلت إلى (59 %) ولم يحصل أي طالب على الدرجة الكاملة، وبالتالي ربما على الوزارة أن تقدم لنا معلومات كاملة عن تفاصيل نسب النجاح لكل من الطلاب الأحرار والنظاميين، وذلك لنعلم فيما إذا كان النظام التعليمي الرسمي يسير في الاتجاه الصحيح أم الخاطئ.
ظاهرتا التسرب والهدر في المرحلة الثانوية:
يعاني التعليم في المرحلة الثانوية من ظاهرة التسرب، وذلك سواء التسرب من الحاصلين على الشهادة الإعدادية، أو تسرب منتسبي التعليم الفني إلى التعليم الأدبي، وهنا تنشأ الظاهرة التي سنبينها لاحقاً، والتي أطلق عليها الدكتور نجيب عبد الواحد ظاهرة التصحر العلمي، كما أن النظام التعليمي في المرحلة الثانوية يعاني من الهدر الناجم عن مشكلة ناجح ويعيد، والتي يجب معالجتها ولكن ليس بطريقة المنع كما يحاول البعض، علماً بأن التقرير الوطني للتنمية البشرية قد أشار لهذا الموضوع كما يلي: (ومن ابرز مظاهر الهدر غير المرئية التي لا تدخل في الحسابات الرسمية التزايد المستمر للمعيدين لامتحان الشهادة الثانوية العامة حيث ارتفعت نسبتها من «13» % عام «1992» إلى «17 %» عام «2002»).
كيف يتوزع الطلاب؟
عودة إلى أعداد المتقدمين لامتحانات الشهادة الثانوية يتين لدينا أن (64 %) منهم قد تقدموا إلى امتحان الشهادة الثانوية الأدبي، و(25 %) قد تقدموا لامتحان الشهادة الثانوية العلمي، بينما اقتصر عدد المتقدمين لشهادة التعليم الفني على (10 %) وعند صدور نتائج الشهادة الثانوية تبين أن هذه المجموعة قد حصل منها (18 %) على الشهادة الثانوية العلمية و(37 %) على شهادة الثانوية الأدبية (نتائج الثانوية الفنية لم تظهر بعد) وبالتالي فإن اعتبرنا أن معدلات الرسوب متشابهة بين السنوات المختلفة،، فهذا يعني أن نظامنا التعليمي يتمكن من منح الشهادة الثانوية العلمية لـ (18 %) من المتقدمين لامتحان الشهادة الثانوية، تنخفض هذه النسبة بشكل كبير فيما لو أخذنا ناجح ويعيد بعين الاعتبار كونهم على الغالب ينجحون مرة ثانية، وبالتالي فالمعدلات المرتفعة نسبياً في النجاح للشهادة الثانوية العلمية لا تعكس نجاحاً في مستوى تعليم المواد العلمية، بقدر ما تعكس نزوحاً للتلاميذ إلى شهادة الثانوية الأدبية التي كانت وسيلة لـ (37 %) من المتقدمين بالحصول على الشهادة ضعفي الحاصلين على الشهادة العلمية، ونجاحاً مكرراً لنسبة هامة من المتقدمين. وهنا ربما علينا أن نتساءل عن السياسة التي يتم عكسها في هذه الأرقام؟ وعلينا أن نستفسر عن كيفية تحقيق نهضة في مجتمع لا يتجاوز معدل الحاصلين على الشهادة الثانوية العلمية (18 %) علماً أن نسبة هامة منهم يعيدون الامتحان للمرة الثانية بعد نجاحهم للحصول على معدلات أفضل!؟
ســـــياسة القبـــــول الجامعـــــي
وصب الزيت على النار:
رغم تقديرنا الشديد للثانوية الأدبية وموادها، إلا أننا نعتقد أن طلاب جامعاته معظمهم على الأقل، يحتاجون لمعلومات تتعلق بالرياضيات والفيزياء تتجاوز ما يحصلون عليه في الشهادة الإعدادية، وهنا ربما ارتكبت وزارة التربية خطأها القاتل في عدم التمييز بين الرياضيات الأساسية اللازمة لمن يريد متابعة دراسته كطبيب أو كإداري أو كمخبري أو كصحفي أو فنان أو محام، والرياضيات التي يحتاجها المهندسون والفيزيائيون، وعدم تمييز حجم المعلومات في الكيمياء الأساسية التي يحتاجها الطبيب عن تلك التي يحتاجها مدرس اللغة العربية، كما هو الحال في معظم النظم التعليمية التي لديها مستويان لبعض المواد الأساسية، وبدلاً من أن تحاول وزارة التعليم العالي الحد من أثر هذا الخطأ القاتل في المرحلة الثانوية، قامت بنقل المشكلة كما هي إلى المرحلة الجامعية، عبر اعتماد مجموع العلامات الكلي للقبول في الجامعات، وبالتالي رسخت الخطأ، وساهمت في هدر الطاقات البشرية التي لدينا.
وختاماً، ربما تكون سياسة القبول الجامعي الخاطئة والفريدة سبباً رئيسياً في نمو ظاهرة ناجح ويعيد، وهكذا ننقل المشكلة من سنة لأخرى، ومن جيل لآخر، وربما يمكن لوزارة التعليم العالي أن ترمم خطأ وزارة التربية، ولكن عليها منذ الآن أن تعلن عن معايير مختلفة للقبول الجامعي للعام القادم هذا العام العدل يقتضي الإبقاء على الطريقة الحالية رغم أنها سيئة، وذلك التزاماً أمام التلاميذ الذين درسوا بما يتناسب مع سياسة القبول الحالية، وذلك كون مجرد تصحيح سياسة القبول سيؤدي لتغييرات جذرية في طريقة دراسة الطلاب، وسيلزم وزارة التربية على عدم الإمعان في الخطأ، الذي بدأنا نسمع بعض التسريبات عنه، وهكذا نؤسس لطريقة مختلفة تسمح لنا ببناء أجيال قادرة على مواجهة التحديات، وبالتالي تحسين موقع سوريا التنافسي عبر بوابة التعليم.