|
بعد أن ارتفع سعر
برميل المازوت محلياً إلى حوالي الستة آلاف ليرة سورية، وبعد أن علمنا بأن هذا
السعر متجه لأن يتضاعف خلال سنة أو سنتين (لأسباب عالمية ومحلية)، نعتقد أنه
قد آن الأوان لإعادة التفكير في النظرة السورية للأنظمة المعلوماتية، وبجدوى
نقل المعلومات الكترونياً بدل تحرك الأفراد لنقل وتبادل المعلومات ورقياً.
الأنظمة المعلوماتية في سوريا:
أعتقد أن عدم استخدام المعلوماتية بشكل جدي حتى الآن في سوريا يعود بشكل رئيس
إلى البعد الثقافي الذي تم بناؤه للمعلوماتية، وهنا لا نقصد الانتقاص من أهمية
الثقافة، وما يتفرع عنها، إلا أنه دوماً يجب أن يكون هناك حد فاصل بين
المعالجة التثقيفية والمهنية لموضوع ما، ومن ضمنها القضايا المعلوماتية التي
تم نشرها بطريقة مبسطة لشريحة واسعة من المواطنين (وهذا الأمر إيجابي)، لكن
هذا النوع من الثقافة العامة (للأفراد)مختلف عن التوعية التي يجب أن يحصل
عليها العاملون في المؤسسات، كما أنه لم يتم العمل على وضع الآليات التي تضمن
أنه لن يتم التعامل مع مواضيع دقيقة (مثل تطوير الأنظمة المعلوماتية
المؤسساتية) بطرق مشابهة لطريقة شراء حاسب شخصي للمنزل، أو حتى تطوير برنامج
لتحزين معلومات عن الكتب أو الأسطوانات الموسيقية التي نحتفظ بها في مكتبة المنزل، وبالتالي شهدت سوريا في الفترة
الماضية كماً كبيراً من مشاريع الهدر المعلوماتية،
والتي شكلت تدريجياً كرة ثلج متدحرجة في الاتجاه الخاطئ، بحيث أصبح من الصعب
إيقافها، وهكذا بدأت الجهود تبذل لتبادل الاتهامات حول المسؤول
عن هذه الظاهرة بدل التفكير في معالجتها، وقد تم تنفيذ علاج مؤقت (غير معلن)
عبر تخفيض تمويل المشاريع المعلوماتية في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا النوع
من الحلول (السلبية)أدى لخنق الشركات المحلية، ولضرب القطاع المعلوماتي المحلي، ومن ناحية أخرى، فقد لجأ البعض للقفز
فوق المشكلة، واستدعاء شركات خارجية للقيام بالأعمال المطلوبة، إلا أن هذا
الإجراء جعل المشكلات أكثر تفاقماً، وأعاد إطلاق كرة الثلج مرة أخرى، وفي
الاتجاه الخاطئ أيضاً.
أثر المازوت على مستقبل الأنظمة المعلوماتية:
من المعلوم أن ارتفاع أسعار المازوت كان نتيجة إجراء حكومي سببه عدم قدرة
الخزينة على الاستمرار في تحمل كلفة المازوت الذي يتم استيراده (ما سمي
بفاتورة الدعم)، وبرغم أن الحوار دار حول الأسباب الاقتصادية والفنية
(المتعلقة بالطاقة) التي أوصلتنا إلى هذه النقطة، إلا أن هذا النوع من الحوار
يعتبر متأخراً، وأعتقد أنه علينا أن نبدأ حوارنا من الوضع الحالي، والذي أعتقد
أن فصوله لم تكتمل بعد، فبعد أن منحت الحكومة قسائم
للاستهلاك المنزلي، وحافظت على سعر المازوت المدعوم لصناعة الخبز، أعتقد أنها
ستكون مضطرة للقيام بإجراءات مشابهة للزراعات والصناعات الاستراتيجية،
كما أنها ستكتشف أنها (أي الحكومة بمؤسساتها ذات الطابع الإداري والاقتصادي)،
وباقي مؤسسات الدولة، من أكبر المستهلكين للمازوت، وبالتالي فالتغيير في هذا
المجال سيكون حسابياً ليس أكثر، أي أن رفع أسعار المازوت سيؤدي إما للحفاظ على
سعره للجهات المذكورة، أو إلى زيادة اعتماداتها
المالية لتتمكن من الحصول على الكميات نفسها (أو كميات مشابهة)، طبعاً قد يكون
هناك استثناءات للمؤسسات ذات الطابع الاقتصادي، ولكن نظراً لضعف قدرتها
التنافسية، فإن زيادة تكاليف استخدام المازوت لديها سيجعل انهيارها أكيداً
(معظمها يعتبر منهاراً - حسابياً - منذ فترة طويلة)، وبالتالي، فإن الحكومة
أمام أحد قرارين، إما الحفاظ على كميات الاستهلاك الحكومي من المازوت (وهذا لم
يعد ممكناً كون نسبة هامة من الوفر الناجم عن دعم
المازوت فد تم دفعه على شكل زيادات رواتب، والجزء الآخر سيستخدم لمعالجة
تداعيات القرار)، أو أن تخفض استهلاك المازوت الحكومي، وهذا سيؤدي لانخفاض في
الأداء (إلا إذا تم إيجاد البدائل).
ماهي هذه البدائل؟
لقد قرأت مؤخراً اعتراضات مجموعة من الصناعيين حول مقترح وزارة الصناعة
باستخدام الفيول بدل المازوت، والحقيقة أنه ربما
يجب أن يكون هناك دراسات مستفيضة لكل قطاع تحدد إمكانية استخدامه لهذه المادة،
مع ضرورة دراسة الآثار البيئية لذلك، وجدوى الاستثمارات اللازمة لتحقيق هذا
التحول، إلا أننا سنقدم مقترحاً للصناعات الخاصة، وللمؤسسات الحكومية على حد
سواء، وهو يرتكز على ضرورة إعادة النظر بشكل جدي في استخدامهم للمعلوماتية في
مؤسساتهم، فالمعلوماتية لم تستخدم عالمياً لملء الطاولات بالأجهزة، أو لالتقاط
الصور التذكارية بجانبها، أو لمسحها من الغبار أسبوعياً، أو حتى لوضعها في
غرفة مكيفة، ولكن الأنظمة المعلوماتية تستخدم لرفع أداء المؤسسة، وهذا بحد
ذاته يتضمن إدارة أفضل لموارد المؤسسة المالية والبشرية، وإدارة أفضل لمركبات
الكلفة، كما أنه يعالج القضايا المتعلقة بالتطوير والعلاقة مع الزبائن، وغيرها
من النقاط التي تختلف أهميتها من مؤسسة لأخرى.
تنقلات أقل وقود أقل:
تتم الآن دراسة قضية ارتفاع أسعار الوقود في العديد من الدول المتقدمة، وهناك
اتجاه جدي للاعتماد بشكل أكبر على تقانات المعلومات
والاتصالات لتحقيق خفض كبير في عمليات تنقل الأفراد (نقل المعلومات بدل نقل
الأفراد) وهذا الأمر يفرض تحديات على مستوى البنية التحتية العامة والخاصة،
وعلى ضرورة إيلاء مشاريع تطوير الأنظمة المعلوماتية
الجدية المطلوبة، كما يفرض تطوير أنظمة الاتصالات وأنظمة المعلوماتية لتنسجم
مع هذه الرؤيا الجديدة.
أزمة الإنترنت بالحزمة العريضة:
تعتبر قضية خدمات الإنترنت بالحزمة العريضة في سوريا دليلاً على الأزمة التي
نعاني منها محلياً، فمن المعلوم أن سوريا(تئن)، ومنذ سنوات بسبب نقص في البنية
التحتية للإنترنت، ورغم ذلك مازالت عمليات توسيع البنية التحتية تتعثر لأسباب
متعددة، وتعتبرمشكلة إعادة مناقصة توسيع عدد دارات الحزمة العريضة أحد تجليات الأزمة، وهنا يبدو أن
سوريا الآن تدفع ثمن الحملات المتتالية على المؤسسة العامة للاتصالات، بحيث
أصبح موظفو المؤسسة أكثر دقة من الجهات الرقابية في تطبيق تفاصيل القوانين
بدلاً من روحيتها، ففي حال مثل حالنا، كان يفترض أن يتم التعاقد بالتراضي
لتوسيع النظام الموجود، وليس إعادة المناقصة، ولكن نرجو الآن أن لا يكون هناك
عقبات إضافية في وجه هذا التوسع المحدود (حسب معلوماتنا فإن حجم التوسع يصل لـ
35 ألف بوابة، بينما حجم الطلب المتوقع في سوريا يصل إلى حوالي نصف مليون
بوابة خلال السنوات القادمة)، أي أن هذا المشروع (إن تم تنفيذه) لا يشكل أكثر
من 10 % من الطلب المتوقع، وهنا ربما يجب أن نطالب الحكومة بالنظر في
حلول إسعافية وموضعية، مثل استخدام شبكة الكهرباء
في مناطق قطاعات الأعمال (التي تمتاز في المدن بأنها تحت الأرض، وبعضها يحوي
غلافاً معدنياً)، وبالتالي ربما تكون إمكانات تداخلها مع شبكات أخرى محدودة
(موضوع التداخل من أهم عوائق استخدام الشبكة الكهربائية لخدمات الإنترنت عريضة
الحزمة).
أزمة الأنظمة المعلوماتية:
بالإضافة لموضوع الإنترنت بالحزمة العريضة، لابد من وجود تطوير جذري لطرق
استخدام المعلوماتية في المؤسسات، وقد كان هذا الموضوع مثار نقاشات ودراسات
واسعة ضمن الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، التي تبين لها أن ماهو متوقع منها ربما يفوق الدور الذي تقوم به حالياً، وبالتالي تبلور اتجاه نحو طرح دور أوسع
للجمعية للمساهمة الاختيارية في توجيه بعض المشاريع المعلوماتية في القطاعين
العام والخاص، وذلك بما يضمن ارتفاع معدلات نجاح هذه المشاريع، وربما أصبح هذا
الموضوع أكثر أهمية حالياً نظراً للصعوبات الجدية التي سيعانيها كل من
القطاعين العام والخاص في السنوات القادمة نتيجة لانخفاض الموارد.
وختاماً:
ربما يجب على الحكومة أن تتخذ قراراً واضحاً لا لبس فيه، إما باستمرار معدلات
الأداء الحالية، وبالتالي تحمل الفواتير المرتفعة التي تدفعها، أو أن تبدأ
بمعالجة دور الأنظمة المعلوماتية بشكل جدي، مما ينعكس إيجاباً على معدلات
الأداء الحكومي.
|