|
محاورة
لمقترح السيد سعد الله جبري
م. محمود عنبر: ( كلنا شركاء ) 17/5/2008
السادة كلنا شركاء
قرأت ماورد في نشرتكم بتاريخ 16-5 – 2008 ، للمهندس
سعد الله جبري، وبشكل خاص ماذكره
الكاتب من
" تفاقم الأمور للشعب السوري إلى درجات أُخرى
خطيرة فعلاً تُنبؤ بأوخم العواقب"
وهنا ربما أتفق مع الكاتب حول مدى خطورة الأمور، بل ربما يمكنني الإضافة إلى أن
الأمور قد أصبحت خارج السيطرة بعد أن رمت الحكومة بسهمها الأخير ( رفع الدعم أو
إعادة توجيهه لمستحقيه ) بطريقة عشوائية شكلت فتيل أزمة نعلم أين تبدأ ولانعلم أين تنتهي، وستشهد سوريا خلال الأشهر والسنوات
التالية تداعيات مستمرة لهذه القرارات الخاطئة في التوقيت وفي الطريقة التي
اتخذت بها وفي طريقة تنفيذها أيضاَ.
إلا أننا يجب أن نتمتع بالموضوعية ونحاول التفكير بعقل بارد في مثل هذه اللحظات،
ومن غير المفيد الانقياد وراء عواطفنا، فرغم أننا نشعر بالأسى والحزن يومياً
لشرائح المجتمع التي فقدت شبكة الأمان التي كانت ( لاتحميها
ولكن تمنع انكشافها)، ورغم أننا مدركين أن الخطوات التي تقوم بها الحكومة حالياً لمعالجة تداعيات القرارات الخاطئة، هي
ليست أكثر من مسكنات لن تؤد لنتيجة ملموسة، فإنني ربما أختلف مع الكاتب في
تحليله لأسباب المشكلة وفي مقترحاته للمعالجة.
1- في مجال أسباب المشكلة:
أعتقد أن تحميل الحكومة الحالية مشكلة انهيار الطبقة الوسطى في سورية هو أمر
مبالغ به، فقد تكون الحكومة الحالية هي من أعاد تقييم
الموجودات وبالتالي أعلن هذه النتيجة، إذ إن المشكلة هي تراكم للأخطاء حصل منذ
أن شهدت سورية فترة ذهبية تمثلت في موارد نفطية كبيرة، وفي أوضاع سياسية إقليمية
مستقرة نسبياً، ولم تحاول في تلك الفترة الذهبية إطلاق عملية إصلاح واسعة ( في
حينه).
وهنا ربما تقتصر مسؤولية الحكومة الحالية على عدم القدرة على تصحيح الأمور،
وبالتالي إدارة الأزمة بطريقة أفضل، ولكن وكما سنبين لاحقاً،
فهذه الحكومة ( أو أي حكومة أخرى سيتم تشكيلها) لن تؤد لتغييرات تذكر مالم نعالج المشكلات الحقيقية التي تعرقل ( أو لا تسمح
بتحقيق عملية الإصلاح لأهدافها).
بين الحكومة والجهاز الحكومي:
دون الدخول في نقاش مصطلحات، لابد أن نميز بين الحكومة Government والوزراء Ministers ومجلس الوزراء Cabinet ، وبالتالي فتحميل
كامل المسؤولية لمجلس الوزراء الحالي أعتقد أنه أمر مبالغ به،
وهذا لايعني رضانا عن أداء المجلس ( أو حتى الوزراء
منفردين)، إلا أنه لابد من توضيح أن الحكومة ( أو الجهاز الحكومي) يضم ما لايقل عن المليون موظف ، يعملون جميعاً لصالح الحكومة،
وأعتقد أن ما تشهده سورية اليوم يعود بنسبة كبيرة إلى ضعف أداء هؤلاء، وقد شهدت
سورية في السنوات الماضية مجموعة من الوزراء المشهود لهم بالنزاهة والكفاءة، إلا
أن النتيجة على الأرض كانت مشابهة، وهذا أمر منطقي كون الجهاز الحكومي قد بقي
كما هو، ولم يتعرض لتغييرات تذكر، وهنا لا نركز على تغيير الأفراد ولكن تغيير في
آليات العمل، وهذا لم يحصل ( ولن يحصل ) إن استمرت الأمور على ماهي عليه.
غياب التطوير الإداري:
إن اطلاعي ً على مايحصل في " الجهاز
الحكومي" خلال السنوات الماضية، يسمح لي بالتأكيد بأنه لم يحصل أي شيء
تقريباً في اتجاه التطوير الإداري، ويجب أن لانستغرب
ذلك نظراً للعوامل التالية:
• موازنة التطوير الإداري تبلغ قيمتها صفر في كافة الجهات الحكومية
• لايوجد أي برنامج للتطوير الإداري في أي جهة حكومية
• مدى دقة وتواجد المعلومات الإدارية الحكومية لاتزيد
عن 50% في أحسن الحالات
• لايوجد برنامج ممول حكومياً لطرح خدمات حكومية
الكترونية في أي جهة حكومية
غياب الكادر الحكومي الفاعل:
ربما يمكننا التمييز بين عدة أصناف من الموظفين الحكوميين ، وهي التالية:
• موظف خبير وغير فاسد:
وهذا النوع من الموظفين يحاول ترميم دخله الشهري إما من ضمن الوظيفة ( عبر البحث
المستمر عن الإيفادات) أو من خارج الوظيفة ( عبر
العمل الإضافي)، وبالتالي فهم من المجموعات غير الفاعلة في عملية التطوير، وحتى
لو كان هناك استثناءات لمن يقبل بمحاربة الفساد ودعم التطوير على حساب لقمة
عيشه، فالهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وطرق عملها تكون بالمرصاد لهذا النوع
من الموظفين
• موظف خبير وفاسد:
وهؤلاء هم أقوى أعداء الإصلاح، وهم من يلعب الدور الأكبر في عرقلة عملية
الإصلاح، سواء بشكل مباشر ( عبر شبكات الفساد)، أو بشكل غير مباشر عبر رفع
تقارير مضللة للجهات الأعلى تشعر بوجود عملية إصلاح ( غير موجودة) في مؤسستهم،
أو عبر التبرع بالتقاط أخطاء من يحاول العمل وإيصالها للهيئة المركزية للرقابة
والتفتيش.
• موظفين غير خبيرين ( فاسدين أو غير فاسدين):
وهؤلاء يشكلون الشريحة الأكبر من موظفي الجهاز الحكومي، وهم لا يمكن اعتبارهم
أكثر
من مراكز كلفة، وهم لا يقومون بأي عمل يذكر، ويتم الاحتفاظ بهم لأسباب اجتماعية.
استناداً للنقاط الثلاث السابقة ، يمكننا
استنتاج أن التغيير الحكومي لن يقدم أو يؤخر في معالجة المشكلات التي تعاني منها
سورية، فالوزراء قد تكون قراراتهم صحيحة أو خاطئة، إلا أن الجهاز الحكومي (
المليوني) يعمل بآليات فاسدة أو فاشلة ( مستقلة)، ولم يتأثر بالقرارات الجيدة أو
السيئة التي أصدرها الوزراء، فضعف النظام الإداري يسمح بالالتفاف على أي قرار
سواء صدر عن الهيئة التشريعية أو عن الوزير المختص، فالصلاحيات في النظام
الإداري في سورية مقلوبة، وانعكاس القرارات على الأرض محدود. طبعاً الإنعكاس السلبي الذي يحصل لبعض القرارات يحصل نتيجة توافق
هذه القرارات مع مصالح البعض، مثل حالات تهريب الطحين أو الاسمنت أو رفع أسعار
بيع المازوت بطريقة عشوائية، أو وضع أسعار صرف متعددة للمازوت ، أو رفع أسعار
الدقيق بشكل مفاجئ، أو منح شرطة السير صلاحيات عرفية لحبس المواطنين، أو إطلاق
إشارات ضبابية تتعلق بتنظيم أراض بغرض السكن، أو التشدد الشكلي في شروط تأسيس
مؤسسات تعليمية خاصة، فكل ذلك يتم تنفيذه بدقة، كونه ينسجم مع مصالح البعض،
وبشكل عام التنفيذ الدقيق هو للقرارات التي تنقل الصلاحيات باتجاه الأسفل (
تفاقم المشكلة).
2- في مقترحات المعالجة:
أعود مرة أخرى لمقترحات الكاتب للمعالجة، والتي ترتكز لنتيجة ضرورة توحيد
صلاحيات موقعي رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية،واعتقد ( للأسباب التي بينتها
سابقاً)، أن هذا الحل عدا عن أنه غير واقعي ( بسبب أعباء رئاسة الجمهورية التي لاتسمح بجمع صلاحيات ومهام موقع رئاسة الحكومة لها)، فإنه (
حسب اعتقادي) سيفقد رئاسة الجمهورية دورها كراع لعملية الإصلاح، بعد أن تصبح جهة
تنفيذية، وبالتالي ونظراً للوقائع التي بينناها
سابقاً، سنحاول البناء على مقترح الكاتب للوصول لمقترح قابل للتحقيق، ويعالج
الاعتبارات التي وضعها الكاتب مع التحفظات التي بينتها في النقاط السابقةّ.
• حصر دور ( الجهاز الحكومي) بإدارة المهام اليومية، وبالتالي بإنفاق الموازنة
الجارية وليس الاستثمارية
• إنشاء هيئة عليا للإصلاح تتبع لرئاسة الجمهورية، ولها استقلال مالي وإداري عن
كامل الجهاز الحكومي، ولا تضم في عضويتها أي من العاملين في الجهاز الحكومي (
يمكن نقل بعض الكفاءات الحكومية إلى الهيئة في حال الضرورة)
• يكون للهيئة موازنة مستقلة، وتكلف بإطلاق مجموعة محدودة ومركزة من البرامج
الإصلاحية
• تحدد رئاسة الجمهورية محاور الإصلاح وأولوياته، وتترك للهيئة مسؤولية تحويل
هذه التوجهات إلى برامج ومشاريع، على أن ترفع الهيئة تقارير دورية لرئاسة
الجمهورية، بمدى تحقيق البرامج المختلفة لأهدافها.
• الخطة الاستثمارية للحكومة ( التي تصدر عن هيئة تخطيط الدولة) يجب أن تحصل على
موافقة الهيئة العليا للإصلاح، وأن تتحرك ضمن إطار الإستراتيجية الإصلاحية، وان
تتابع من قبلها.
• برامج التعاون مع المنظمات الدولية والهيئات
والمنظمات غير الحكومية، يجب أن يتم توجيهها ضمن إطار الإستراتيجية الإصلاحية،
وبالتالي لا يجب أن يكون لهذه الجهات برامج مستقلة، بل مشاريع تخدم البرامج
الإصلاحية.
• الهيئة العليا للإصلاح تلعب دوراً توجيهياً واستشارياً لبرامج ومشاريع الإصلاح،
بينما يتم الاعتماد على القطاع الخاص ( أو العام حسب الحالة) لتنفيذ المشاريع.
إن وجود إستراتيجية إصلاحية، وآليات تنفيذية لها ، مستقلة عن الآليات الحكومية،
تعتبر شرطاً أساسياً لنجاح عملية الإصلاح، ولنا في تجارب الدول الأخرى التي تجمع
على عدم إمكا نية استخدام الجهاز الحكومي كأداة
تنفيذية للإصلاح أفضل مثال على صحة هذا التوجه.
|