فرصة ثانية للجمعية المعلوماتية


مجلة أبيض وأسود - العدد 248

 
 م. محمود عنبر
manbar@scs-net.org

 

 

هل حققت الجمعية المعلوماتية نصراً في معركتها؟ أم أنها قد اكتفت بمنع الهزيمة؟ وهل نجحت الجهات التي تهجمت على الجمعية في تشويه صورتها؟ أم أن الجمعية قد خرجت من معركتها الأخيرة أكثر صلابة؟ وما هي أهم التحديات التي ستواجهها الجمعية المعلوماتية من خلال فرصتها الجديدة.

سرد تاريخي للتحولات في الجمعية:
أعتقد أن نقطة التحول الرئيسية في أداء الجمعية المعلوماتية قد برزت مع ظهور تيار من الزملاء المؤسسين الذين ارتضوا بما تم تحقيقه من إنجازات في المراحل السابقة من عمل الجمعية، وظنوا بأن دورهم قد أصبح الدفاع عن هذه الإنجازات، ورغم أننا لا نقلل من أهمية الإنجازات التي تحققت (في تاريخه)، إلا أن هذا المنطق في المحافظة على الإنجازات كان خاطئاً، وأدى إلى تراجع كبير في دور الجمعية المعلوماتية على المستوى الوطني.
لقد أدت استراتيجية (حماية الإنجازات – المكتسبات) ضمن الجمعية، إلى بروز عدد من المفاهيم والحالات الشاذة التي لم تكن مقبولة من معظم الزملاء، والتي أدت لنفور الزملاء من أداء الجمعية، ونبين فيما يلي بعض أهم هذه الحالات:
 
* محاولة إقناع أعضاء الجمعية بأن دورهم في عملية التطوير والتحديث هو في العربة الثانية، وعليهم ترك العربة الأولى للمختصين (من غير مجال المعلوماتية)، ورغم أن أدبيات العمل في مجال المعلوماتية تؤكد على ضرورة توجيه قطاع الأعمال (اقتصادية - اجتماعية - صناعية - سياحية - إدارية) للنشاطات المعلوماتية، إلا أن هذه الفكرة صحيحة على مستوى التوجهات، ولا علاقة لها بالآليات الإدارية التي تحكم المبادرات والمشاريع المعلوماتية والتي تراعي (بطريقة منهجية هذه الأولويات والتوجهات).
* حماية المكتسبات تقتضي مهادنة العديد من الوزارات والجهات الحكومية، وربما التغاضي عن أخطائها، ونذكر على سبيل المثال ما حدث ويحدث في وزارة التربية من هدر سنوي في عمليات شراء للحاسبات (عديمة الاستخدام)، وفي المشروع الماراتوني لتطوير مناهج خاصة بالتعليم عن بعد (التعليم الإلكتروني)، وفي برنامج نشر المعلوماتية الذي لم يعد أكثر من حفلة هدر منظمة (تتم على مرأى ومسمع من الجمعية)، ومبادرة تعليم المعلوماتية التي تم تحويلها إلى تعليم (تاريخ المعلوماتية)، ومبادرة استخدام المعلوماتية في التعليم التي لم تبصر النور حتى الآن.
* اعتبار مشروع مزود الإنترنت في الجمعية هو الإطار الوحيد للمشاريع الربحية (الممكنة)، وبالتالي فكافة المشاريع الأخرى في الجمعية هي ليست أكثر من إطار فولكلوري لا يتمتع بالديمومة أو مقومات البقاء، وعلى هذه المشاريع أن تبقى خاسرة، وذلك ليتم تمويلها من الدخل الذي يؤمنه المزود، مع ما يعنيه ذلك من تماه بين المزود والجمعية (للأسف عند كتابة مقالتي السابقة حول الجمعية فوجئت من الردود التي تلقيتها بأن عدداً كبيراً من القراء لا يعلم الفرق بين المزود والجمعية، فالجمعية بالنسبة لهم هي الجهة التي تصلهم بالإنترنت (فقط)!!)، وربما في هذه الفكرة رسالة تدل على أن دور الجمعية يرتبط بخدماتها ليس إلا.
* مزود الإنترنت في الجمعية، وبناء على ازدياد التزاماته (لتمويل نشاطات الجمعية)، يجب أن تتم إدارته بمنطق ربحي، وبهذا تم حشر المزود في موقع تنافسي مع باقي المزودين، رغم أن فكرة وجود مزود خاص بالجمعية كانت بهدف كسر احتكار تزويد خدمة الإنترنت وليس ترسيخها، وبالتالي فمن المفترض أن تكون أولويات المزود هي في مجال التطوير النوعي لخدماته وليس الكمي!!
* نشاطات الجمعية يجب أن تستمر لأهداف إعلامية، وذلك بغض النظر عن مدى تحقيقها للغاية المرجوة منها، مثل معرض الجمعية السنوي، المطبوعات (غير المجدية)، والدورات التدريبية (غير التخصصية)، وكل هذه النشاطات قد جعلت من الجمعية منافساً للفعاليات المشابهة التي يتم تقديمها من قبل القطاع الخاص.
*رغم أن الجمعية قد اهتمت بضم الزملاء الجدد من خريجي كليات الهندسة المعلوماتية، إلا أنها لم تر نفسها معنية بتقديم أي مبادرة جدية لمنع ظاهرة تسربهم الواسع إلى خارج القطر. أو بتأمين فرص عمل جدية لهم ضمن القطر، رغم أنها الأكثر تأهيلاً للعب هذا الدور.

نتائج سياسة حماية المكتسبات:
لقد أدت السياسة السابقة (سياسة حماية المكتسبات)، إلى ابتعاد الجمعية عن دورها الذي تم تأسيسها من أجله، والذي حصلت على معظم امتيازاتها لتحقيقه، ونشأ عن هذه الأخطاء المتراكمة علاقة غير صحية بين الجمعية وقطاع الأعمال المعلوماتية المحلي (من جهة)، وبينها وبين قاعدة واسعة من أعضائها (من جهة أخرى)، فإدارة الجمعية قد تحولت تدريجياً إلى ما يشبه إدارة شركات القطاع المشترك (التي تجمع أخطاء الحكومة وأخطاء القطاع الخاص في سلة واحدة)، وذلك بحيث أضحت نشاطات مثل الجمعية السكنية التابعة للجمعية المعلوماتية أهم من تطوير قطاع صناعة البرمجيات، وربما هنا من المفيد التذكير بما حصل عندما شارك منتدى صناعة البرمجيات للمرة الأولى في معرض شام (عند تأسيس المنتدى)، حيث كانت الزيارات إلى الجناح تتم من قبل المسؤولين بهدف التقاط الصور التذكارية فقط، ولم تتم إتاحة الفرصة لأي طرح جدي يتعلق بتطوير هذه الصناعة، ويبدو أن أهداف الزيارات لم تكن تتجاوز تأمين المادة الإعلامية اللازمة للإشارة للزيارة في الصحف! (والتي يعتبرها البعض مؤشراً على نجاح المعرض، واستمرار تمتع الجمعية بالرضى المطلوب!!)، وقد أظهرت هذه الأخطاء مجتمعة غياب الرؤيا في الجمعية المعلوماتية حول ما يجب أن يتم عمله للخروج من هذه الحلقة المفرغة التي وضعت نفسها بها، وأدى ذلك لحالة من عدم الرضا من قبل متخذي القرار حول أداء الجمعية ودورها المفترض.

الخطأ المزدوج في مهاجمة الجمعية:
لقد كانت المشكلات التي تعاني منها الجمعية واضحة للعديد من الزملاء، وقد كان تذمر الزملاء واضحاً في العديد من الاجتماعات، بل إن السنة الأخيرة قد شهدت ملامح تحول في أداء الجمعية، فحسب معلوماتنا كان هناك مراجعة جدية تجري ضمن الجمعية للتخلص من حالة الترهل التي تعاني منها، ولإعادة تصويب توجهات الجمعية باتجاه تحقيق أهدافها، وربما تجب الإشارة إلى أن أداء الجمعية في الفترة الأخيرة كان محصلة لصراع تيارين الأول متمسك بالمكتسبات وطرق حمايتها، والثاني يرى أنه لامناص من إعادة تصويب الأمور في الجمعية باتجاه استعادتها لألقها الذي رافق المرحلة التأسيسية. وبينما كان لكل تيار (مؤيدوه)، فقد كان الحوار بين معظم الزملاء يدور حول سرعة التغيير وتوقيته، ولكن يبدو أنه في ذلك التوقيت برز من حاول الاتكاء على جو عدم الرضا على أداء الجمعية للانقضاض وتوجيه ضربة قاضية للجمعية، وبرغم أن حالة عدم الرضا كانت ناجمة عن عدم قيام الجمعية بالدور المتوقع منها، فقد كانت الحملة التي تم شنها على الجمعية تصب في اتجاه آخر، وتعمل على تحويل الجمعية إلى منتدى خطابي ليس أكثر، وتتصدى للتيار الإصلاحي ضمن الجمعية، وهنا أعتقد أن معظم الزملاء قد أصيبوا بالإرباك، وذلك بسبب وجود حلقة مفقودة بين الأرضية الفكرية المستخدمة لمهاجمة الجمعية، والأهداف الفعلية التي هدفت الحملة لتحقيقها، وربما من المفيد هنا التحدث بشكل مقتضب عن بعض التناقضات التي رافقت الهجمة على الجمعية، والتي أدت لوصول صورة مشوشة حول ما هو مطلوب، حتى أن بعض الزملاء قرر الوقوف على الحياد في انتظار جلاء الموقف.

في موضوع تطوير قطاع تقانات المعلومات:
من المعلوم أن موضوع عدم انتشار الإنترنت بالحزمة العريضة في سوريا، يعتبر حتى الآن بمثابة عنق الزجاجة لنمو قطاع تقانات المعلومات، وبالتالي فالتصدي الجدي لهذا الموضوع يفترض أن يقع في صلب اهتمامات الجهات المعنية، ومن ضمنها الجمعية المعلوماتية، وهنا ربما من المفيد الإشارة إلى أن الجمعية قد أخطأت عندما لم تحاول بذل جهدها لتخفيض أسعار خدمات الإنترنت ورفع جودتها (التي تمثل أسعارها محلياً ضعف الأسعار مقارنة مع دول الجوار)، وبالتالي نظرت للموضوع كشركة تحاول تحقيق الربح مستفيدة من هذا الواقع، وبالتالي تمثلت المفاجأة الأولى في أن الحملة على الجمعية (تهدف فيما تهدف)، رفع أسعار الإنترنت وليس تخفيضها!!
المفاجأة الأخرى كانت عندما أخطأت الجمعية، وحاولت القيام بتوسع كمي (وليس نوعياً) في خدمات الإنترنت بالحزمة العريضة، بطريقة تضعف من قدرة الشركات المنافسة على العمل، وحينها كانت المفاجأة بأن الغضب قد توجه نحو جمعية أخرى حاولت تغطية الشق النوعي وليس الكمي، وأذكر حينها مجموعة الاستنتاجات الخاطئة التي قادها تيار (حماية المكتسبات) ضمن الجمعية، حول الدور المطلوب من الجمعية، والدور الممنوع عنها!
المفاجأة الثالثة كانت حينما حاولت الجمعية إطلاق خدمة e-Syria، والتي تساهم في دفع قطاع تقانات المعلومات إلى الأمام (وبصيغة غير احتكارية)، تعرضت حينها الجمعية للهجوم المنظم، وبالتالي وقع الزملاء في حيرة فالدفاع عن الجمعية، لم يكن يعني بالضرورة دعماً لعمليات التحول التي تتم ضمن الجمعية، ومن هنا كانت صعوبة خوض معركة الدفاع عن الجمعية، مع استمرار الجمعية في حركتها الإصلاحية.

الفرصة الثانية للجمعية المعلوماتية:
بعد أن انتهت فصول مهاجمة الجمعية بالطريقة التي انتهت عليها، والتي أعادت الأمور إلى نصابها، وبينت أن المطلوب من الجمعية هو تسريع خطواتها الإصلاحية، والتصدي بجرأة أكبر لحالات الخلل المتعلقة بقطاع تقانات المعلومات والاتصالات، بل إعادة إطلاق مبادرات وخطوات فعالة لتطوير قطاع تقانات المعلومات والاتصالات، وبينت هذه النتيجة أن التوظيف الخاطئ لهذه الرؤيا في الهجوم على الجمعية قد فشل فشلاً ذريعاً، ويبدو أنه هناك فرصة ثانية ستمنح للجمعية المعلوماتية، إلا أن هذه الفرصة أعتقد أنها مشروطة بمدى قدرة الجمعية على استعادة ألقها والابتعاد عن استراتيجية حماية المكاسب التي أنهكتها، فالدرس الأهم من التجربة السابقة هي أن قوة الجمعية المعلوماتية كانت وستبقى في قدرتها على المساهمة في عملية التطوير والتحديث، وليس قوة علاقاتها مع الجهاز الحكومي، أو في الامتيازات التي حصلت عليها، ولذلك فإننا ندعو الزملاء في الجمعية للقيام بقراءة متأنية للأحداث التي حصلت، وبناء استراتيجية جديدة للجمعية تضعها في مقدمة علمية التطوير والتحديث، وتحول الجمعية إلى رافعة لتطوير قطاع تقانات المعلومات والاتصالات بما ينسجم مع تاريخها، ويشكل استمراراً لرغبة الشريحة الأوسع من الزملاء المؤسسين، ومعظم الكوادر الحالية في الجمعية.