هل تؤسس المعايير لنهضة معلوماتية ؟

م. محمود عنبر

manbar@scs-net.org

مجلة أبيض وأسود – العدد 278

17-8-2008

 

هل اكتملت الحلقة الأخيرة من مقومات إطلاق نهضة معلوماتية سورية؟ وهل سنشهد مسيرة معاكسة لمسيرة التراجع المعلوماتي التي سيطرت على السنوات الأخيرة؟ وهل سيتمكن المجتمع المعلوماتي من تقديم صورة وتجرية متماسكة تدعم عملية تطوير الأداء الحكومي؟

إطلاق المعايير المعلوماتية السورية:

بالتعاون مع مشروع   أدوات التطوير القطاعي و المؤسساتي  طرحت وزارة الاتصالات والتقانة  مجموعة واسعة من معايير تقانات المعلومات والاتصالات، وتأمل الوزارة بأن تشكل هذه المعايير لبنة رئيسية في  دعم المشاريع المعلوماتية في الجهات الحكومية، وبالطبع فإن هذه المعايير يمكن أن يتم استخدامها من قبل الجهات المستفيدة في القطاع الخاص أيضاً، وقد بين وزير الاتصالات والتقانة أن هذه المعايير سيتم استخدامها بشكل انتقائي لمدة (سنة)، وذلك ليتم قياس مدى انسجامها مع الواقع العملي في سورية، وبالتالي إجراء أية تنقيحات ضرورية قبل اعتماد النسخة من قبل الحكومة السورية ، وذلك كون اعتماد هذه النسخة سيعني أن كافة الجهات الحكومية ستكون ملزمة باستخدامها، وكافة الجهات المدققة ( وعلى رأسها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش) ستكون ملزمة بتدقيق المشاريع المعلوماتية وفقاً لمدى انسجامها مع هذه المعايير ( كما هو واقع الحال في عمليات الرقابة على مشاريع الأنظمة المعلوماتية في كافة دول العالم)، وبالتالي تصبح هناك لغة مشتركة بين الجهات الدارسة والمنفذة والمدققة والمستلمة المعنية بالمشروع المعلوماتي.

 

لمحة عامة عن المعايير:

بينما تتضمن المعايير أربع وثائق مساعدة تتحدث عن بعض التفاصيل الفنية حول كيفية القيام بعمل ما  وهي ( الترميز الموحدنمذجة المعلوماتتهجير البياناتإجراءات قبول المشاريع) ، فإن باقي الوثائق الأساسية تبين مايجب عمله في كل مرحلة من مراحل المشروع المعلوماتي، وذلك دون الخوض بشكل كبير في التفاصيل التقنية ، وهذا يسمح للجهات الدارسة أن تستخدم الأدوات التي تعتقد أنها مناسبة لكل عمل ( من بين قائمة من الأدوات المقترحة)، وبالتالي تمنح المعايير مرونة ملائمة لمستخدميها، وتسمح بتبني اية تقانات حديثة بسهولة ويسر.

تغطي الوثائق الأساسية للمعايير كامل دورة حياة المشروع المعلوماتي، وتتضمن الوثائق الأساسية التالية:

·         الاستقصاء والتقييم : وهي الوثيقة الخاصة بتقييم الوضع الحالي للأنظمة المعلوماتية في مؤسسة ما، ومدى تحقيقها لأهداف واستراتيجيات المؤسسة المعنية

·         الخطة العامة: وهي الوثيقة التي تنتج عن تحليل استراتيجيات العمل في المؤسسة، وتبني عليها استراتيجية معلومات واستراتيجية معلوماتية مناسبة، ومن ثم  تقترح مجموعة من المشاريع المترابطة والتي تساهم في تحقيق أهداف المؤسسة

·         دراسة الجدوى: وهي وثيقة يتم إصدارها لكل من المشاريع المقترحة في الخطة العامة، وتتضمن كافة النقاط  والمعوقات المحتملة المتعلقة بإمكانية تنفيذ المشروع ، وذلك من وجهات النظر التالية ( المالية – الفنية – الإدارية – الكوادر البشرية)

والجدير ذكره أن المراحل الثلاث السابقة من أي مشروع لم يكن يتم العمل بها محلياً، وقد كانت على الغالب تتم بشكل اعتباطي وشفهي ومنقوص، وبالتالي عند إقرار مشروع ما لايوجد لدى  متخذ القرار أية وثائق محددة يمكن العودة إليها ، وبالتالي الوثيقة الوحيدة المتوفرة لدى متخذ القرار هي دفتر الشروط الفنية ، وهكذا يتم إلزام متخذ القرار باتخاذ قرارات فنية لايعلم فيما إن كانت ستؤدي لتطوير مؤسسته أم لا.

·         دفتر الشروط : وهو الوثيقة التي يتم طرحها ليتقدم العارضون المحتملون بناء عليها، وأعتقد أن الجديد الذي تطرحه الوثيقة هو ضرورة وضع أسس تقييم العارضين ضمن دفتر الشروط، وذلك لتحقيق مبدأ الشفافية، كما أنها تحدد بعض نقاط الارتباط مع الوثائق السابقة، كما أنها تضمن أن دفتر الشروط يحوي المعلومات الكافية ليقدر العارض حجم العمل المفترض، والكافية لاكتشاف الجهة التي تقيم العروض بمدى قدرة العارض على التنفيذ أم لا.

·         وثيقة العقد : تقدم المعايير نصاً نموذجياً لصيغة التعاقد الملائمة للمشاريع المعلوماتية، وهي صيغة طال انتظارها كون قانون العقود الحالي لايدعم أية أعمال فكرية،و هو سبب العديد من الخلافات في المشاريع المعلوماتية، كما أن المفهوم الجديد الذي يعتمد على إعلام العارضين بصيغة العقد المقترحة عند طرح المناقصة تنهي عملية الابتزاز التي يتعرض لها العارض الفائز في الفترة التي تسبق توقيعه للعقد، والتي تقوم فيها الكوادر الإدارية والفنية في المؤسسات بإلزام العارض بالتوقيع على قضايا غير مقبولة، دون أن يمتلك قدرة على الرفض ( وإلا يتم التنفيذ على حسابه)

·         وثائق تحديد المتطلبات والتحليل والتصميم : وهي مجموعة من الوثائق التي تعالج عملية تطوير النظام المعلوماتي بشكل تفصيلي، وتلغي كافة التباينات في وجهات النظر بين النظريات المختلفة والمنهجيات المختلفة للتطوير، وهذا يسمح للجهات المختلفة بتوقع ماسيتم عمله بشكل مسبق.

·         التشغيل والصيانة: وهي الوثيقة التي تحدد ما سيتم عمله بمجرد تشغيل المشروع، وهي المنطقة المغفلة في الواقع المحلي، فكافة الجهات تطرح مشاريعاً دون وجود تصور واضح للحظة التي سينتهي فيها المشروع، وكيف سيدخل النظام مرحلة الاستثمار الفعلي.

·         إغلاق المشروع: تطرح المعايير آلية محكمة لتعلم المؤسسة من الأخطاء والمشكلات التي تواجهها في أي مشروع، وذلك ليتم الاستفادة منها في المشاريع التالية، إذ لا يوجد مشاريع مثالية، لكن التحدي هو في أن تمتلك المؤسسات آليات للاستفادة من التجارب المختلفة التي تتعرض لها.

 

بالإضافة للنقاط السابقة، فقد غطت المعايير مجموعة من المعايير المثيرة للجدل في الواقع المحلي، مثل أمان المعلومات Information Security  ، وقدمت تصوراً متكاملاً يتجاوز حدود المشروع ليقدم استراتيجيه متكاملة لأمان المعلومات في المؤسسات ينبثق منها دليل لأمان المعلومات يمهد لأدوات وآليات ضبط موضوع أمان المعلومات في كل  مشروع وفي كل نظام، كما تطرح المعايير آليات لتدقيق مدى جاهزية النظم المعلوماتية من وجهة نظر أمان المعلومات، وتضع آليات محددة لمواجهة حالات الطوارئ.

كما عالجت المعايير الجدل الذي دار محلياً ( قبل سنوات ) حول إمكانية تطوير نظام معياري وموحد لمؤسسات القطاع العام، وطرحت تصوراً أكثر واقعية حين اعتمدت فكرة وضع نظام معياري ( من حيث المواصفات الوظيفية وغير الوظيفية)، ولكنها تركت للجهات المستفيدة تحديد آلية الوصول إلى هذا النظام، وبالتالي لم تتجاوز مرحلة تحديد المتطليات، وتركت الباب مفتوحاً أمام خصوصيات كل مؤسسة ومتطلبات تطويرها، كما فتحت الباب واسعاً أمام قطاع صناعة البرمجيات لتطوير منتجاته بما ينسجم مع هذه المعايير.

 

وأخيراً ربما من المفيد الإشارة إلى أن مبادرة المعايير تتكامل مع مبادرات أخرى مثل مبادرة جايكا لتدريب مديرين للمعلوماتية ( وحديثاً مدريري نظم معلومات ) ، والتي تتم بالتعاون مع جامعة دمشق – كلية الهندسة المعلوماتية ، وذلك كونها تزودهم بأدوات  مساعدة لهم في تطبيق ماتعلموه على الواقع  العملي السوري، كما أن المعايير تتكامل مع  المبادرة المشتركة  لكل من وزارة الاتصالات والتقانة والجمعية العلمية السورية للمعلوماتية لتطوير إجراءات العمل في شركات صناعة البرمجيات، وذلك كونها تمكن تلك الشركات من العمل باطمئنان طالما أن الجانب الحكومي ( الزبون ) لن يعدل متطلباته كل يوم ، وأصبح أكثر قدرة على متابعة المشروع والالتزام بمخرجات مراحله المختلفة.

إلا أن مايقلق في تلك المبادرة ، هو أنه لم يتم تحديد إطار زمني لتبنيها حتى الآن، ورغم أن السيد وزير الاتصالات والتقانة قد ذكر أن هذه المعايير سيتم اعتمادها رسمياً بعد (سنة) من الآن، إلا أننا نخشى من أن لاتكون هذه الفترة الزمنية محددة بخطة إطارية، وبالتالي تبدأ الجهات المختلفة بالتهرب من الالتزام بها، وهنا نعتقد أن جهداً يجب بذله على مستوى هيئة تخطيط الدولة لإعلام الجهات المختلفة بأن الاعتمادات لن تمنح لمشاريع معلوماتية لا تحقق الحد الأدنى المطلوب من حيث دراسات الجدوى والانسجام مع الخطط المعلوماتية العامة ، وبالتالي نضمن أننا بعد (سنة )لن نقاجئ بأنه هناك مشاريع قد حصلت على تمويل رغم أنها ليست أكثر من مشاريع لهدر المال العام.