|
الأزمة
المعلوماتية في سوريا |
|
|
|
|
العدد:
|
257
-مجلة أبيض وأسود |
|
الكـاتب:
|
م. محمود عنبر
|
|
هل تنبهت الجهات
الحكومية إلى أهمية المعلوماتية في إطلاق عملية تطوير واسعة وجدية؟
وإلى متى سيحاول البعض الاختباء خلف إصبعهم؟ ولماذا تسخر الموارد
والجهود في تبادل الاتهامات حول الفشل بدلاً من البحث عن إمكانات
النجاح؟
المعلوماتية والفشل المنظم؟
رغم أننا غير راضين عن تقييمنا للأداء المعلوماتي في الفترة الماضية،
ورغم أننا كنا قد نبهنا دوماً إلى الأخطاء المتراكمة والاستراتيجية
التي حصلت وتحصل، وعلى الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته سوريا (إدارياً
- اقتصادياً - صناعياً - اجتماعياً) نتيجة عدم القدرة على اللحاق
بالركب الرقمي، إلا أننا مازلنا نعتقد أن الفرصة مازالت سانحة فيما لو
كان هناك تحليل جدي لأسباب الإخفاقات في المرحلة الماضية، وتم وضع
الآليات الملائمة للنهوض بهذا القطاع المحلي، وتم التوقف عن سياسة جمع
معلومات خاطئة، واستخدامها لاتخاذ قرارات خاطئة، ثم البحث عن تبريرات
لارتكاب أخطاء إضافية.
نظرية المثلث المعلوماتي:
لقد ثبت تاريخياً أن أفضل فترات الأداء المعلوماتي هي تلك التي تتعاون
فيها الجهات الرئيسية الثلاث لتطوير الواقع المعلوماتي (وزارة
الاتصالات والتقانة - المؤسسة العامة للاتصالات - الجمعية العلمية
السورية للمعلوماتية)،وللسبب نفسه، فإن مجرد وجود خلل في العلاقة بين
هذه الجهات يؤدي لتدهور في الواقع المعلوماتي. وبرغم بساطة هذه النظرية
إلا أنها تؤدي لنظرية معاكسة، وهي أن أي جهة لديها مشكلة مع أي من
الجهات الثلاث يكفي أن تحاول خلخلة أضلاع هذا المثلث لتتمكن من تحقيق
ما تريده، وبالتالي فقد ثبت تاريخياً أيضاً أن الحملات على الجهات
الثلاث (تبقى مستمرة)، سواء تفاهمت هذه الجهات أم اختلفت، فمن لديه
مشكلة مع المؤسسة العامة للاتصالات قد يحاول الإساءة لعلاقتها مع
الجمعية المعلوماتية، ومن لديه مشكلة مع وزارة الاتصالات والتقانة ربما
يسعى للتحرك من خلال الضغط على المؤسسة العامة للاتصالات وهكذا.
قطاع الإنترنت (الخاصرة الرخوة):
من المعلوم أن قطاع تقانات المعلومات يتقاطع بشكل كبير مع قطاع
الاتصالات من خلال الخدمات الرقمية (بشكل عام) وخدمات الإنترنت (بشكل
خاص)، ولهذا يعتبر موضوع الإنترنت (من جهة) وشبكة تبادل المعطيات (بي
دي إن)، هي الخاصرة الرخوة في هذا المثلث، وهي نقطة تقاطع كافة الحملات
التي تم شنها (أو التي سيتم شنها) على أي من الجهات الثلاث، وأعتقد أن
جميع المعنيين في القطاع مستغربون من ترك الفجوات الكبرى في هذا القطاع
والاهتمام ببعض القضايا التي يفترض أن تدخل تحت تصنيف التنافس التجاري،
وبالتالي لا يفترض أن تشكل مادة لانتقاد أداء أي من الجهات الثلاث
كونها جهات (حكومية - قطاع عام - غير ربحية)، ونتمنى بالفعل أن يتم
تصويب الانتقادات بحيث تركز على مطالبة الجهات الثلاث بالعمل على تطوير
الواقع المحلي في كافة المحاور التي نعاني فيها من تقصير، بدلاً من
تسخير الموارد الضخمة (التي يملكها البعض) لإضعاف هذا المثلث تمهيداً
للانقضاض عليه، وأظن أن هذه السياسة المدمرة هي سبب أرقامنا في مجال
الإنترنت والتي أصبحت تتنافس على المراكز الأخيرة (عالمياً) مع مجموعة
محدودة من الدول.
الحكومة الإلكترونية وخدمة e.sy:
لقد فاجأت الجمعية المعلوماتية جهات عديدة عندما طرحت خدمة الترويج
والتعريف بالخدمات الحكومية مجاناً، وأعتقد أن البعض كان يراهن على
تقديم هذه الخدمة (على أنها خدمات الحكومة الإلكترونية)، بينما هي تقع
وفقاً لتصنيف الخدمات الحكومية (التصنيف صفر)، وهو الحد الأدنى لتصنيف
مستوى تقديم الخدمات الحكومية إلكترونياً (التعريف بالخدمة فقط)،
وبالتالي كانت رسالة الجمعية المعلوماتية واضحة (عليكم أن لا تتعبوا
أنفسكم بالعمل على تقديم هذه الخدمة المتواضعة، فقد قمنا بتقديمها
مجاناً (وبصيغة غير احتكارية)، ومن يريد العمل على تقديم خدمات حكومية
إلكترونية (سواء كجهة حكومية أو عبر اتفاق مع القطاع الخاص أو غير
الحكومي)، عليه أن يقدم خدمات بالمستوى الأول أو الثاني أو الثالث أو
الرابع (هناك تصنيف متعارف عليه عالمياً لمستوى تقديم الخدمة إلكترونياً)،
وأعتقد أن هذه الخطوة كانت محاولة من الجمعية لرفع سقف التنافس لصالح
المواطن. وأتمنى أن تستمر الجمعية بالتعاون مع وزارة الاتصالات
والتقانة في تطوير كل ما من شأنه تبسيط أمور المواطنين، وهذا لا يعني
بالطبع لعب دور الوزارات المعنية في تقديم الخدمات إلكترونياً (فهذا
أمر مستحيل، وغير قابل للتنفيذ)، ولكن يمكن تقديم الدعم والمساندة
للجهات التي ترغب بذلك، فالهدف هو دعم الجهات الحكومية لخدمة المواطن
بشكل أفضل، وليس تسجيل سبق للجمعية أو الوزارة.
أزمة النطاق eSyria.sy:
بعد أن ابتدأت الحملة على الجمعية بسقف مرتفع بدأ هذا السقف ينخفض
تدريجياً بعد أن تبين أن معظم المعلومات التي ارتكزت عليها الحملة كانت
خاطئة، وأن المشكلة الوحيدة لا دور (أو قرار) يذكر للجمعية بها من قريب
أو بعيد، ولم يبق من هذه الحملــة إلا محــــاولات ســــحب النطـــاق
eSyria.sy من الجمعية، وبالرغم من أننا لا نعتقد أن اسم النطاق يشكل أي
أهمية مادية للجمعية، ورغم علمنا بأن الأسباب التجارية المحضة هي التي
قد تدعو للقيام بذلك، إلا أنه يؤسفنا القول بأن هذه المحاولة قد تؤدي
لخسائر جمة للخزينة السورية، فأسماء النطاقات الوطنية (كما يعلم الجميع)
هي مصدر دخل مستمر للخزينة (دون كلفة تذكر)، ولهذا تتنافس الدول
لاستقطاب أكبر عدد ممكن من أسماء النطاقات الوطنية، بل بدأ يتم اعتبار
عدد النطاقات المسجلة تحت النطاق الوطني كأحد العوامل التي تعبر عن
النشاط الرقمي في بلد ما (هذا الأمر له أبعاد استراتيجية)، ومن هنا
فكنا نعتقد أنه لا يجب أن يتم التقييد في منح النطاقات الوطنية إلا بما
يخدم المصلحة العامة، ويبدو أن العديد من الدول قد بدأت تتنبه إلى
ضرورة تخفيف القيود حول أسماء النطاقات (المستوى الثاني)، بينما نحن قد
بدأنا بفرض قيود على نطاقات المستوى الثاني (في قرار متسرع صادر عن
المؤسسة العامة للاتصالات)، وأرجو أن يكون هذا الإجراء مؤقتاً إلى حين
إعادة ترتيب الأمور، وإلا فإن هذا الإجراء سيؤدي لخسارة مبالغ كبيرة (سنوياً)،
وأحياناً بالعملة الصعبة (أسماء النطاقات الدولية تشترى بالعملة الصعبة)،
وهنا ربما يجب أن نورد بعض المعلومات حول كيفية تعامل الدول المتقدمة
مع نطاقات المستوى الثاني.
أسماء النطاق من المستوى الثاني:

كما يبين الشكل المرفق، فإن النطاق.US متاح لمن يرغب، حيث يبين الجدول
بعض الأمثلة لمواقع يمكن حجزها باستخدام أسماء نطاقات المستوى الثاني،
والتي تبين أنها يمكن أن تكون باسم الشخص أو اسم العائلة أو اسم الشركة.
أما في الإمارات العربية المتحدة، فمن الواضح (حسب النص المرفق) أنه
هناك اتجاه لتحويل أسماء النطاقات للفعاليات التجارية من (co.ae) إلى (ae)
وذلك لجعل أسماء النطاقات أقصر، مما يشكل جزءاً من عملية تسويق
لاستخدام اسم النطاق الوطني بدلاً من الأسماء الدولية، وهذه خطوة شديدة
الذكاء، فعدا عن أنها تحاول الترويج لاسم النطاق الوطني، فهي مصدر دخل
سنوي كبير جداً (بتكاليف شبه معدومة)، وتنظيم الانتقال ما هو إلا مقدمة
للخطوة التالية.
وهناك العديد من الدول الأخرى التي لم تضع أساساً أية قيود على المستوى
الثاني لأسماء للنطاقات، وذلك بهدف تشجيع استخدام النطاقات الوطنية.
الأزمة المعلوماتية في سوريا:
لا أدري لماذا في سوريا يدور الجدل دوماً حول القضايا الهامشية، وتهمل
المشكلات الكبرى؟ (انهيار قطاع صناعة البرمجيات - تردي الإدارة
الحكومية - غياب المجتمع الرقمي – غياب الخدمات الحكومية - غياب اقتصاد
المعرفة - غياب فرص العمل للخريجين...)، وللأسف فأي معركة تدور تنتهي
بخسائر للقطاع المعلوماتي (في خرق حتى لقوانين الاحتمالات)، وبالتالي
ففيما يتعلق بالأزمة المفتعلة والهادفة لانتزاع اسم النطاق eSyria.sy
من الجمعية المعلوماتية، فلو لم يسحب النطاق، ستكون النتيجة مجرد تهشيم
متواصل لسمعة الجمعية، وسمعة أعضائها ومشاريعها والعاملين فيها (دون أن
يدفع أحد الثمن)، وسيساهم ذلك في انفضاض الزملاء عن الجمعية بسبب
الضربات المستمرة (وغير المبررة) التي تعرضت لها في السنوات الثلاث
السابقة، بينما ستدفع الخزينة خسارة سنوية (بمئات الملايين)، وستستمر
هجرة النشاطات الرقمية والتجارية والصناعية والخدمية إلى النطاقات
الدولية بسبب (تسرع في اتخاذ القرار، ومن ثم البناء على هذا القرار
المتسرع)، أما لو تم سحب اسم النطاق، فعدا عن انهيار مصداقية عملية منح
النطاقات الوطنية السورية (طالما أن الحكومة يمكن أن تسحبها في أي وقت،
فإن تم سحب أسماء النطاقات من الجمعية المعلوماتية، فكيف سيكون الحال
بالنسبة للأفراد والفعاليات التجارية والصناعية والخدمية!!؟)، أما
النطاق المستهدف، فسينضم إلى مئات النطاقات التي سجلتها الحكومة باسمها
والتي تحوي مواقع ستاتيكية تحدث مرة كل بضعة أشـــهر، وبعضهـــــا
مازال لا يســـتخدم اللاحقــــة gov.sy، ومعظمها مستضاف خارج القطر.
أما الجمعية المعلوماتية، فستبقى كعادتها أكبر من هذه الإجراءات
وستحاول البحث عن بدائل أخرى، وربما مشاريع أخرى، فهذا المشروع لم يكن
الأول الذي تمت عرقلته، ولن يكون الأخير، فجعبة الجمعية مليئة
بالمبادرات والمشاريع التي مازالت قيد الدراسة، والتي ستظهر إلى العلن
تباعاً، وسيسجل التاريخ محاولات الجمعية المتكررة للحاق بالثورة
الرقمية، فإن لم تنجح، فعلى الأقل يكون لها شرف المحاولة، فإن لم نتمكن
من تغيير الواقع لبناء مستقبل أفضل لأبنائنا، فعلى الأقل علينا أن
نسلمهم تاريخاً ناصعاً ومشرفاً يشجعهم على استمرار المحاولة.
|