الجمعية المعلوماتية والمجتمع الرقمي السوري

مجلة  أبيض وأسود

 

العدد:
 254
الكـاتب:
 م. محمود عنبر  
 

 

هل تسمح الصعوبات والتحديات التي مازالت تواجهها الجمعية المعلوماتية بالتصدي لموضوع بأهمية التعامل مع المجتمع الرقمي؟ وما هي ملامح المجتمع الرقمي السوري؟ وما هي أهم التحديات التي يواجهها هذا المجتمع؟

المجتمع الرقمي السوري في إطاره العربي:
بسبب غياب الإحصاءات الدقيقة التي يمكن اعتمادها لتحديد ملامح المجتمع الرقمي السوري، فسنعتمد المؤشرات التقريبية التي تقدمها بعض المواقع الإحصائية، والتي تبين أن المجتمع الرقمي السوري يعتمد بشكل رئيس على محركات البحث العالمية، بينما يعتبر موقع maktoob.com والمخصص لاستقطاب المجتمعات الرقمية العربية على رأس المواقع العربية التي تمكنت من استقطاب السوريين.
للحصول على صورة أوضح عن هذا الاستقطاب، حاولنا إجراء دراسة تفصيلية لهذا الموقع، ومعدلات اختراقه للتجمعات العربية الرقمية، ونبين فيما يلي توزع انتشار زوار موقع مكتوب (أكبر تجمع عربي على الإنترنت) بين الدول العربية المختلفة.

 


حسب الإحصاءات المرفقة، فإن استثنينا عدم قدرة الموقع المذكور على تحقيق الاختراق المطلوب في لبنان (بسبب هيمنة موقع التيار الوطني الحر والمواقع الإعلامية الراسخة)، فإنه يبدو أن انتشار هذا الموقع في الدول العربية يتناسب طرداً مع انتشار الإنترنت في هذه الدول، ورغم أن زوار هذا الموقع من سوريا لا يشكلون أكثر من 2 % من زوار الموقع، فهو الموقع العربي الأكثر استقطاباً للسوريين، وهذا الرقم يؤشر إلى ضعف ومحدودية انتشار معظم المواقع السورية بين السوريين، وأعتقد أن سبب ذلك هو غياب الموقع السوري الذي يقدم سلة خدمات مشابهة.

ماذا فعلت مصر؟
لقد عانت مصر (مثلها مثل معظم الدول العربية)، من مشكلة مماثلة (بانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية وغيرها)، فهذا الموقع يعتبر أيضاً الموقع العربي الأكثر استقطاباً للمجتمع الرقمي المصري، ويشكل المصريون 17 % من زوار هذا الموقع، وبالتدقيق في المواقع المصرية يتبين أن مصر قد قامت بتطوير موقع masrawy.com، والذي نجح بتحقيق استقطاب مشابه للمجتمع المصري، وأعتقد أنه ربما يطمح لاستكمال هذا المسار.

مشكلة المواقع الإخبارية السورية:
أذكر أنني قد أشرت مع بدء انتشار المواقع الإخبارية السورية، إلى أن هذه المواقع لا يمكن اعتبارها أكثر من بوابات إخبارية، وبالرغم من أن المواقع الإخبارية التي بدأت قبل غيرها قد حققت معدلات نفاذ كبيرة، إلا أنها ركزت على النشر الإلكتروني دون الاهتمام بالتحرير الإلكتروني، وبالتالي كررت في مجال الإعلام الإلكتروني الخطأ الذي تم ارتكابه في الإعلام المطبوع، ففي الإعلام المطبوع تم الفصل بين البعدين الإعلامي والإعلاني للإعلام المطبوع مما أضعف الإعلام المحلي المطبوع بشكل كبير، وقد أدى اتباع أسلوب مشابه في الإعلام الرقمي (القيمة المضافة المحدودة) إلى تردي هذه التجربة، فقد ازدادت المواقع الإخبارية السورية التي تقتصر على النشر الإلكتروني، وبدل أن تستقطب هذه المواقع المجتمع السوري الرقمي الذي تم استقطابه لصالح المواقع العربية الأخرى، فقد اكتفت بإعادة توزيع القراء فيما بينها، وبالتالي فالإحصاءات تبين أن المواقع الإخبارية السورية الكبرى (نسبياً) قد خسرت أكثر من نصف زوارها في السنة الماضية لصالح المواقع السورية الإخبارية المنشأة حديثاً، وبالتالي ازداد استقطاب المجتمع الرقمي السوري من قبل المواقع الخارجية.

المبادرات الخاصة بالمجتمع الرقمي السوري:
هناك العديد من المبادرات السورية المحدودة التي تغطي شريحة محددة من شرائح المجتمع، ومعظم هذه المبادرات هي عبارة عن مبادرات فردية ناجحة لإنشاء منتديات لشريحة معينة، كطلاب المرحلة الثانوية أو الجامعية أو المهتمين بموضوع معين (فني أو ثقافي أو رياضي..)، إلا أنه وفيما يتعلق بالمبادرات التي تم وضعها لتقدم تغطية مجتمعية واسعة، فأعتقد أننا أمام تجربتين اثنتين الأولى هي شبكة المعرفة الريفية وبوابة المجتمع المحلي التي تعود لوزارة الاتصالات والتقانة والثانية تجربة eSyria التي تسعى لإطلاقها الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، وأعتقد أن كلا التجربتين أمام استحقاق قريب ناجم عن المخطط الذي وضعته وزارة الاتصالات والتقانة والمؤسسة العامة للاتصالات لإحداث توسع كبير في عدد مستخدمي الإنترنت في سوريا وفي مستخدمي الإنترنت عريضة الحزمة بشكل خاص، وبالتالي فهناك شريحة واسعة جديدة من المستخدمين السوريين المتوقعين تحتاج لمن يتمكن من استقطابها.
شبكة المعرفة الريفية وبوابة المجتمع المحلي:
لقد تم إطلاق هذه المبادرة في عام 2002، وذلك لتحقيق مجموعة من الأهداف التي تؤدي لاختراق رقمي للريف السوري، وللمجتمعات الريفية التي تعتبر مهمشة تقليدياً، ومحاولة إدماجها في المجتمع الرقمي، وأعتقد أنني قد أشرت في مناسبة إطلاق الموقع الأول لشبكة المعرفة الريفية (مركز النفاذ المعرفي في بصرى الشام) قبل عدة سنوات إلى أهم التحديات التي تواجهها هذه المبادرة (راجع مقال - شبكة المعرفة الريفية هل ستحقق الانتشار المأمول؟)، وأعتقد أن أهم هذه التحديات كانت (وما تزال) في طريقة تعامل المؤسسة العامة للاتصالات والجهات المحلية المعنية مع هذه المبادرة، فالمراكز التي كان يفترض بالمبادرة أن تطلقها كان يفترض أن تستخدم للإعداد لنموذج قابل للاستمرار، يليها إطلاق لترتيبات منح الوكالة Franchise model إلى رواد الأعمال، وذلك ليقوموا بإنشاء مراكز مكتفية ذاتياً، ولكن هذا الإطلاق الواسع لا يمكن أن يتحقق في ظل طريقة تعامل كل من المؤسسة العامة للاتصالات (من جهة)، والإدارات المحلية (من جهة أخرى) مع هذه المبادرة، وأعتقد أن هذا هو سبب عدم تحقيق مراكز المعرفة الريفية الانتشار المأمول حتى الآن.
أما فيما يتعلق ببوابة المجتمع المحلي، فهي تشهد نمواً تدريجياً، وهي على الغالب أداة لنشر معلومات عن المجتمعات المحلية، وبالتالي تبادل هذه الأفكار والخبرات محلياً، وقد حققت هذه البوابة نمواً مقبولاً حتى الآن، وأعتقد أنها مرشحة للنمو بشكل أكبر مع توسع استخدام الإنترنت في سوريا، إلا أنني لم أتمكن من تحديد طبيعة المواضيع التي تم وضعها في البوابة والتي أدت لاستقطاب واسع جداً للزوار من خارج سوريا.
على أية حال، فهذه البوابة هي أكثر من مجرد إطار تقني لإدارة المحتوى، فهي مرتبطة أكثر بإدارة التغيير الثقافي والاجتماعي في المجتمعات الريفية، وإدخال المفاهيم الرقمية، ودمجها مع الحاجات والمتطلبات المحلية، وهذه الأهداف شديدة الصعوبة، مما يجعل من النمو البطيء لمعدلات انتشار هذه البوابة أمراً منطقياً، وأعتقد أن هذه المبادرة شديدة الأهمية، ويجب أن تلقى الدعم المناسب على مستوى الإدارات المحلية، وذلك لتسريع معدلات النفاذ إلى المجتمعات الريفية المحلية.

الجمعية المعلوماتية ومبادرة esyria:
لقد كان الهدف الرئيس لهذه المبادرة هو المساهمة في ردم الفجوة الرقمية في سوريا، وذلك عبر إتاحة المحتوى العربي القادر على تحفيز استخدام الإنترنت، وبصياغة أخرى، فالموقع كان يفترض أن يستقطب المجتمع الرقمي السوري، وذلك كنوع من التأسيس لاستخدامات إيجابية وفعالة للإنترنت محلياً، ولكن للأسف، فقد تعرضت هذه المبادرة تاريخياً لمجموعة من التحويرات الناجمة عن استخدامها كأداة بين بعض الأطراف ضمن الجمعية، وفي فترات لاحقة أصبحت مادة للصراع بين الجمعية وجهات أخرى، وبالتالي تم تحميل هذه المبادرة مجموعة من المشكلات التي تفوق قدرة الجمعية على المعالجة، وبالتالي ربما كان الوقت ملائماً الآن لوقوف الزملاء في الجمعية (وقفة تأمل ومراجعة) نعتقد أنها تمر عبر الحقائق التالية:
- مزود الإنترنت في الجمعية المعلوماتية مازال يتعرض لتغييرات قسرية تفوق قدرة الجمعية على التحمل، وعلى الزملاء الإسراع في معالجة هذا الموضوع، وقد يكون بيع الحصة الأكبر من أسهم المزود الآن أكثر جدوى من الخيارات الأخرى، وذلك حرصاً على توجيه طاقات الجمعية نحو المهام الرئيسية.
- مبادرة eSyria غير قادرة (حتى لو أراد القائمون عليها) على تقديم خدمات حكومية إلكترونياً، وذلك حتى لو تم استكمال توقيع الاتفاقيات مع كافة الجهات الحكومية، فتقديم الخدمات الحكومية إلكترونياً له مستلزمات حكومية غير محققة حتى الآن.
- الحملات الإعلامية التي توجه ضد مبادرة eSyria لا تستهدف هذه المبادرة بقدر ما تستهدف إرباك الجمعية المعلوماتية، وبشكل أدق عرقلة إمكانية تعاون الجمعية المعلوماتية مع وزارة الاتصالات والتقانة في مجموعة من المبادرات الحساسة، وبالتالي منع وزارة الاتصالات والتقانة من التصدي للاستحقاقات الكبرى القادمة.
- التشابه بينeSyria وبوابة المجتمع المحلي هو تشابه تقني فقط، فالمبادرتان مختلفتان تماماً من حيث الشريحة المستهدفة والأهداف وطبيعة الخدمات ومعدلات النمو المرتقبة.
- مبادرةeSyria تحتاج لإعادة توجيه، وذلك بحيث لا تقتصر على البعد الإعلامي (رغم أهميته)، ولا تنحرف باتجاه المحتوى (الستاتيكي)، بل تركز على تقديم خدمات تفاعلية مختلفة (لا يشترط أن تكون حكومية)، قادرة على استقطاب الشريحة الكبرى من أفراد المجتمع الرقمي في سوريا.
وختاماً ربما من المفيد الإشارة إلى أنه على الجمعية المعلوماتية أن تحسم خياراتها، وأن تعيد تقييم مدى قدرتها واهتمامها بالتصدي لمشروع بهذه الأهمية، فإما أن تطلق هذا المشروع الهام، أو أن تقرر أنها غير قادرة (أو غير راغبة) بالتصدي لهذا الموضوع، وتنقل ملكية المشروع إلى جهة أخرى، وبالتالي لا يقال لاحقاً بأنها قد وعدت (ولم تنفذ).